لعنة ابن سلمان تطارد واشنطن فضيحة “الوكيل الأجنبي” الذي خدم نظام القمع السعودي

لعنة ابن سلمان تطارد واشنطن فضيحة “الوكيل الأجنبي” الذي خدم نظام القمع السعودي

لم يكد الجمهوري جون ريد يعلن ترشحه لعضوية مجلس النواب الأمريكي حتى انفجرت موجة من الجدل والاتهامات، بعد أن كشفت صحيفة فيرجينيا ميركوري أنه عمل بين عامي 2011 و2014 كـ”وكيل أجنبي مسجّل” لصالح شركة العلاقات العامة الأمريكية Qorvis Communications — الشركة التي تحوّلت إلى الذراع الإعلامية للنظام السعودي في واشنطن، وواحدة من أبرز أدوات تلميع صورته بعد الجرائم التي ارتكبها في الداخل والخارج.

الخبر لم يُقرأ في أمريكا كقضية مهنية عادية، بل كـفضيحة أخلاقية جديدة تلاحق كل من تعامل مع الرياض. فجون ريد لم يكن موظفًا في شركة دعائية فقط، بل كان جزءًا من منظومة عملت على تبييض القتل والتجسس والقمع، وحين خرج منها إلى السياسة، خرج محمّلًا بإرثٍ من التورط في خدمة نظام دموي.

Qorvis الشركة التي تبيع الأكاذيب

الملف الرسمي لريد يؤكد أنه كان جزءًا من الفريق الذي مثّل أنظمة متهمة بانتهاكات جسيمة، من بينها السعودية. شركة Qorvis لم تُعرف يومًا كشركة اتصالات، بل كشركة “غسيل سمعة”، مهمتها الأساسية تحويل المال السياسي إلى دعاية ناعمة تُبرر الاستبداد وتُعيد صياغة الخطاب الغربي حول الطغاة.

حين وقّعت Qorvis عقدها مع النظام السعودي بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، كانت تمارس ما تجيده تمامًا: إخفاء الجريمة خلف لافتات العلاقات العامة. أطلقت بيانات مزيفة، ونشرت مقالات مدفوعة، ورتبت مقابلات لصالح شخصيات سعودية في وسائل إعلام أمريكية لتسويق صورة “ولي العهد المصلح”.

جون ريد كان أحد الأسماء التي عملت داخل هذه المنظومة، واليوم عودته إلى السياسة الأمريكية تجعل السؤال ملحًا:
 هل من خدم آلة الدعاية لقتلة الصحفيين مؤهل لتمثيل شعبٍ يدّعي الدفاع عن حرية الكلمة؟

لعنة الدم من خاشقجي إلى الحملات الانتخابية

منذ مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، تحولت العلاقات العامة السعودية في واشنطن إلى شبكة دفاع عن الجريمة. ومع كل محاولة للتغطية، كان المتورطون يفقدون سمعتهم تباعًا. الشركات التي عملت لصالح الرياض واجهت انتقادات علنية، وبعضها خسر عقوده مع مؤسسات أمريكية مرموقة.

واليوم، عودة أحد هؤلاء إلى الانتخابات تعيد فتح الجرح. الإعلام الأمريكي يصف ريد بأنه “مرشح مرتبط بدماء خاشقجي”، وخصومه يستخدمون هذه الحقيقة لفضح نفاقه السياسي. لقد تحولت علاقة الرجل بالنظام السعودي إلى عبء أخلاقي يهدد مستقبله الانتخابي، بعدما حاول التستر عليها.

إنها لعنة ابن سلمان: كل من يلمس أمواله يتلطخ، وكل من يخدم دعايته يُحرق سياسيًا لاحقًا.

المال القذر لا يختفي

منذ 2016، أنفق النظام السعودي أكثر من 100 مليون دولار على جماعات الضغط الأمريكية، وفق تقارير OpenSecrets وThe Guardian. عشرات المسؤولين والكتاب والمستشارين دخلوا في هذه الدائرة، وظنوا أن المال القادم من الرياض سيمنحهم نفوذًا. لكنه في النهاية أحرقهم جميعًا.

بعضهم واجه تحقيقات فيدرالية بسبب خرق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، وآخرون خسروا وظائفهم في مراكز أبحاث أو وسائل إعلام بعدما كُشف ارتباطهم بمكاتب الضغط السعودية. لا أحد خرج نظيفًا من تلك الشبكة.

المال السعودي، الذي كان يُغري الساسة بوعد القوة والنفوذ، أصبح رمزًا للتلوث السياسي في واشنطن — تهمة تكفي لتدمير مستقبل أي سياسي بمجرد ذكرها.

من تبييض الجريمة إلى التورط في الفضيحة

جون ريد يحاول التهوين من تاريخه في Qorvis، زاعمًا أن عمله “إداري بحت” ولا علاقة له بالسياسة. لكن الوثائق القانونية الخاصة بتسجيل الشركة كوكيل أجنبي تُظهر أنها كانت تمارس الضغط السياسي لصالح حكومات متورطة في جرائم حرب وانتهاكات حقوقية، من بينها النظام السعودي.

وما يزيد الموقف سوءًا أن عمله تزامن مع واحدة من أكثر فترات الشركة جدلًا، حيث كانت تدير حملات إعلامية لصالح أنظمة استخدمت الرصاص والغاز لقتل المتظاهرين، وتبرر الاعتقالات الجماعية وتلمّع مشروعات “الإصلاح الوهمية”.

في بلدٍ يحاسب السياسيين على أبسط تضارب مصالح، يجد ريد نفسه اليوم محاصرًا بأسئلة لا إجابة لها: كيف خدم آلة دعائية تمولها دولة قمعية، ثم يطلب ثقة الناخبين؟ كيف باع ضميره للمال الأجنبي، ثم يقدّم نفسه كمدافع عن “القيم الأمريكية”؟

الرياض في واشنطن شبكة نفوذ أم شبكة فضائح؟

صحيح أن النظام السعودي أنفق ثروات هائلة على شراء النفوذ في واشنطن، لكن الواقع اليوم يثبت أن هذا النفوذ ينقلب على أصحابه. فالمال الذي كان يُستخدم لشراء الصورة، أصبح دليلًا على الجريمة. كل سياسي، أو صحفي، أو موظف عمل لصالح النظام، بات يواجه السؤال ذاته: كم تقاضيت لتبرير القمع؟

ترشح ريد يذكّر الأمريكيين بأن المال السعودي لا يمنح القوة بل يجلب الفضيحة. إن اليد التي موّلت حملات الضغط لتلميع ابن سلمان هي نفسها التي تلطخت بدم خاشقجي والآلاف من ضحايا القمع داخل المملكة وخارجها.

حتى داخل الولايات المتحدة، يتعامل الناخبون اليوم مع أي علاقة بالنظام السعودي كخيانة أخلاقية. وهكذا تحوّل النفوذ الذي حلم به ابن سلمان إلى لعنة سياسية تطارد كل من اقترب منه.

“الوكالة عن ابن سلمان تذكرة إلى العار السياسي”

جون ريد ليس المرشح الأول الذي يسقط تحت ثقل تاريخه مع النظام السعودي، لكنه المثال الأوضح على كيف تتحول “علاقات النفوذ” إلى لعنة. لقد حاول استخدام خبرته في شركة تبييض الطغاة كرصيد سياسي، فإذا بها تتحول إلى وصمة لا تمحى.

النظام السعودي قد يشتري الوقت والصورة، لكنه لا يشتري البراءة. وكل من يعمل في خدمته — من مستشاري Qorvis إلى الساسة الطامحين — ينتهي إلى المصير ذاته: الفضيحة والانكشاف.

هذه ليست قوة ابن سلمان كما يتوهم البعض، بل أثر السمّ الذي يتركه المال القذر في كل من يقترب منه. فالنفوذ السعودي لا يصنع الرجال، بل يحرقهم، ويترك وراءه سجلاً من الأسماء المحروقة التي أصبحت درسًا قاسيًا في ثمن بيع الضمير.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية