في الوقت الذي يواصل فيه النظام السعودي تسويق “رؤية 2030” كأضخم عملية تحول اقتصادي في العالم، تكشف فايننشال تايمز أن أهم أذرع هذا التحول — شركات الاستشارات الأجنبية — بدأت في الانسحاب التدريجي وتقليص نشاطها بعد سنوات من التوسع المحموم داخل المملكة.
الخبر قد يبدو اقتصاديًا بحتًا، لكنه في جوهره إعلان غير مباشر عن إفلاس النموذج الذي بُنيت عليه الرؤية. فحين تفقد الحكومة ثقتها في العقول التي صاغت المشروع، تكون قد دخلت مرحلة “الإنكار المتأخر”: نهاية زمن الانبهار، وبداية زمن الحساب.
عقل الرؤية يتفكك من الداخل
منذ 2016، كانت السعودية بمثابة منجم ذهب لشركات مثل McKinsey، PwC، BCG، Deloitte، EY وغيرها من كبريات بيوت الخبرة الغربية.
عشرات العقود بمليارات الدولارات أُبرمت لتصميم الخطط والمشاريع و“الهياكل الإدارية الجديدة” ضمن ما سُمي بـ“التحول الوطني”.
لكن اليوم، بحسب فايننشال تايمز، بدأت هذه الشركات تكبح عمليات التوظيف وتُبطئ توسعها، بعد أن شعرت بأن “عصر الذهب” قد انتهى، وأن النظام لم يعد يفتح الخزائن كما كان يفعل.
المؤشرات الجديدة مقلقة:
تباطؤ نمو سوق الاستشارات من 25% عام 2024 إلى نحو 11–12% فقط هذا العام.
تقليص العقود الحكومية الضخمة.
مراجعة أولويات الرؤية بعد تضخّم فاتورة المشاريع وفشل كثير منها في تحقيق أي عائد فعلي.
أحد الشركاء السابقين في PwC قال صراحةً للفايننشال تايمز:
“الحكومة باتت أكثر تشككًا في الاستشاريين… إنهم يبالغون في الوعود ويتحدثون بتفاؤل مفرط.”
هذه العبارة تختصر المشهد كله: منطق “الرؤية” الذي قام على الاستعراض أكثر من الجدوى، وعلى العناوين أكثر من الأرقام.
طفرة انتهت قبل أن تُثمر
في السنوات الأولى بعد إطلاق رؤية 2030، كانت شركات الاستشارات بمثابة العقل التنفيذي للنظام.
هي التي كتبت الخطط، وأعادت هيكلة الوزارات، وصممت مشاريع مثل نيوم، ذا لاين، القدية، البحر الأحمر، والدرعية.
لكن معظم هذه المشاريع بقيت حبراً على ورق أو نماذج تجريبية باهظة التكاليف.
الآن، ومع انخفاض أسعار النفط وتراجع الاحتياطيات النقدية، توقف السيل المالي الذي كان يغذي هذا السوق.
بدأت الوزارات تقلّص الإنفاق على الخدمات الاستشارية، وأُلغيت عقود كانت تُجدد تلقائيًا كل عام.
بمعنى آخر، السوق الذي كان قائمًا على الوهم فقد وقوده.
“التشكيك” الرسمي: من الانبهار إلى الحذر
حين يتحدث كبار المحللين عن أن الحكومة السعودية أصبحت “أكثر تشككًا في المستشارين”، فذلك يعني أن الثقة التي كانت تُمنح بلا حدود تبخّرت.
هذا التشكيك لم يأتِ من وعي متأخر، بل من تجارب فاشلة متراكمة:
مشاريع قُدرت بمليارات ولم تتجاوز مرحلة التصاميم.
مخططات تنموية لم تتناغم مع الواقع المحلي.
مبادرات أطلقتها الاستشارات ثم تخلت عنها بمجرد انتهاء العقد.
النتيجة: بيروقراطية مرهقة، تضارب في الصلاحيات، وهدر مالي بمليارات الريالات.
حتى داخل المؤسسات الحكومية نفسها، بدأت أصوات التحفظ ترتفع: لماذا ندفع ملايين الدولارات لشركات أجنبية لتخبرنا بما نعرفه أصلًا؟
اقتصاد مقيّد بالاستعراض
الفكرة الجوهرية التي يُبنى عليها النظام الاقتصادي الجديد في عهد ابن سلمان هي اقتصاد العرض لا الإنتاج:
إبهار بصري، تصاميم مستقبلية، مؤتمرات عالمية، أرقام ضخمة، لكن بلا قاعدة إنتاجية حقيقية.
شركات الاستشارات كانت شريكًا مثاليًا في هذه اللعبة، لأنها تبيع “الخيال المدروس” بلغة العروض التقديمية.
لكن عندما انكشفت النتائج، بدأ النظام يدرك أن هذه الشركات لم تكن تصنع نجاحًا بل تبيع أوهامًا مغلفة بالباوربوينت.
أحد المحللين البريطانيين قال ساخرًا:
“لقد باعوا للسعودية المستقبل كما يُباع الأثاث المستعمل: بريق من الخارج، هشاشة في الداخل.”
الأسباب العميقة: النفط لا يكفي، والذكاء الاصطناعي يهدد السوق
الصحيفة البريطانية أوضحت أن من الأسباب المباشرة لتراجع الاستشارات في السعودية:
1. هبوط أسعار النفط الذي قيّد الإنفاق الحكومي.
2. مراجعة أولويات الرؤية بعد فشل بعض المشاريع العملاقة.
3. شكوك حول جدوى الإنفاق الاستشاري مقابل العوائد.
4. دخول الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يؤدي بعض مهام التحليل والتخطيط بتكلفة أقل.
أي أن النظام يواجه مأزقًا مزدوجًا: قلة المال وتراجع الكفاءة.
وفي بلدٍ يعتمد اقتصاده بالكامل على المال العام، فإن أي هزة في أسعار النفط أو الإنفاق الحكومي تعني بالضرورة شللًا في “الرؤية” كلها.
سقوط سردية “العقل الحديث”
لطالما قدّم النظام السعودي نفسه كصاحب “رؤية عصرية” تستند إلى العلم والخبرة الدولية.
لكن انسحاب بيوت الخبرة الغربية يوجه ضربة معنوية هائلة لهذه السردية.
فـ”العقل الغربي” الذي كان يُستخدم كرمز للتحديث بات الآن يتبرأ من فشل التطبيق السعودي.
إن ما يحدث ليس مجرد تباطؤ اقتصادي، بل انهيار في الشرعية المعرفية للمشروع كله.
فحين تعلن فايننشال تايمز أن “ولّت أيام المجد” لشركات الاستشارات في المملكة، فإنها تقول ضمنيًا:
“ولّت أيضًا أيام الانبهار برؤية بلا أفق.”
وعي يتكوّن ببطء
رغم محاولات التعتيم الإعلامي، بدأت شرائح من المجتمع السعودي تتساءل بصوت عالٍ:
أين نتائج كل تلك الخطط والدراسات؟
لماذا تتكدس الديون بينما تتبخر الوعود؟
كيف يمكن أن يتحدث النظام عن “التنويع الاقتصادي” وهو لا يزال يعتمد على النفط والاقتراض؟
هذه التساؤلات تمثل بداية وعي اقتصادي شعبي جديد يدرك أن “الرؤية” ليست إلا أداة سياسية لشراء الوقت وتلميع الصورة، لا خطة تنموية حقيقية.
المستثمرون يراقبون الصمت
في الخارج، تتابع المؤسسات المالية هذه التطورات بقلق.
فحين تتراجع العقود الاستشارية، يعني ذلك أن الإنفاق الحكومي أصبح محاصرًا، وأن الثقة بالمشاريع الكبرى تتضاءل.
ولذلك، من الطبيعي أن تتردد صناديق الاستثمار في ضخ أموال جديدة في مشاريع لم يثبت نجاحها بعد.
حتى شركاء النظام أنفسهم — من الولايات المتحدة إلى بريطانيا — باتوا ينظرون إلى السوق السعودية كفرصة ترويج مؤقتة لا كسوق ناضجة.
الفشل في ملف الاستشارات ليس فشلًا إداريًا فقط، بل انعكاس لأزمة الحكم نفسها.
فالنظام الذي ألغى مؤسسات الشورى والمحاسبة، واحتكر القرار في يد ولي العهد، كان لا بد أن يعتمد على “عقول مستأجرة” بدلًا من الكفاءات الوطنية.
وحين تتوقف هذه العقول عن العمل، يظهر العجز الحقيقي: لا مؤسسات، لا تخطيط، لا توازن.
في النهاية، لم تكن “رؤية 2030” سوى حملة تسويق سياسي ضخمة صُممت على يد شركات غربية، تمولها أموال النفط، وتنهار اليوم مع أول اختناق مالي.
من استيراد العقول إلى استيراد الأعذار
حين تغادر الشركات الاستشارية وتغلق دفاترها في الرياض، لن ينهار فقط سوق الخدمات، بل سينكشف الفراغ الذي حاول النظام تغطيته بشعارات “الإصلاح” و“التحول”.
لقد انتهت مرحلة “التخطيط على الورق”، وبدأت مرحلة مواجهة الواقع:
اقتصاد متعب، مشاريع متعثرة، وديون تتراكم.
“ولّت أيام المجد”، كما قالت فايننشال تايمز، لأن المجد كان زائفًا منذ البداية — مجدًا يُشترى بالدولار، ويُسوّق بالدعاية، ثم ينهار عند أول مواجهة مع الأرقام.
اليوم، يعود السؤال إلى نقطة الصفر:
ماذا يبقى من رؤيةٍ تُدار بعقلٍ غربي مرتزق ويدٍ محلية مقيدة؟
الجواب واضح: يبقى فقط الفراغ، ووراءه نظام يحاول إعادة بيع الحلم نفسه كل عام تحت اسم جديد، لأن الحقيقة لا تُستشار… بل تُخفى.






