وهم النمو: تقرير البنك الدولي يكشف اقتصادًا سعوديًا يعتمد على الأوهام لا الإنتاج

 وهم النمو: تقرير البنك الدولي يكشف اقتصادًا سعوديًا يعتمد على الأوهام لا الإنتاج

يقول البنك الدولي في أحدث تقاريره إن اقتصاد السعودية مرشح للنمو بنسبة 3.2% في عام 2025، مستفيدًا من زيادة إنتاج النفط وتحسّن القطاعات غير النفطية.

لكن ما لا يقوله التقرير بصراحة هو أن هذا “النمو” لا يعكس انتعاشًا حقيقيًا بقدر ما يخفي أزمة مالية مزمنة، تديرها الحكومة عبر الاقتراض والتوسع في المشاريع غير المنتجة، فيما يتآكل الدخل الحقيقي للمواطنين تحت ضغط الضرائب والتضخم.

فالنظام الذي وعد بتقليل الاعتماد على النفط، يجد نفسه اليوم يستجدي ارتفاع الأسعار لإنقاذ موازنته.

إنه اقتصاد يعيد إنتاج أزماته، لا يتجاوزها.

النمو الإحصائي لا الاقتصادي

الرقم الذي يحتفي به الإعلام الرسمي — 3.2% — يبدو في ظاهره مؤشرًا إيجابيًا، لكنه في جوهره نمو حسابي لا إنتاجي.

التحليل الدقيق لبيانات البنك الدولي يظهر أن معظم هذا الارتفاع يعود إلى:

1. زيادة طفيفة في الإنتاج النفطي بعد تخفيف قيود أوبك+.

2. الإنفاق الحكومي الهائل على مشاريع رؤية 2030، الممول أساسًا من القروض الخارجية.

أي أن النمو لا يأتي من توسّع في قاعدة الإنتاج أو تنمية في القطاعات الحقيقية، بل من نفقات مؤقتة تُضخ في السوق لشراء الوقت.

بعبارة أخرى: الاقتصاد “ينمو” كما ينمو البالون قبل أن ينفجر.

اقتصاد غير نفطي يُموَّل بالنفط

من المفارقات التي يبرزها التقرير أن السعودية ما زالت تراهن على النفط كمنقذ، رغم مرور تسع سنوات على إطلاق “رؤية 2030” التي وعدت بفكّ الارتباط به.

فكلما ارتفعت الأسعار، يتحدث المسؤولون عن “تعافي الاقتصاد”،

وكلما تراجعت، يختفي خطاب التنويع وتبدأ موجة الاقتراض.

القطاعات غير النفطية التي يتحدث عنها البنك الدولي — السياحة، الترفيه، الخدمات — لا تزال تعيش على الدعم الحكومي، وتفتقر إلى مقومات الاستدامة.

أما ما يُسمّى “نموًا في القطاع غير النفطي” فهو في الحقيقة إنفاق من نفس الخزانة النفطية، ولكن بأسماء مختلفة.

النمو تحت رحمة الصراعات

يُحذّر البنك الدولي من أن “الصراعات المستمرة وتقلّبات أسعار النفط تمثل مخاطر على الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل”.

هذه الجملة العابرة تختصر مأزق النظام:

السعودية ليست فقط رهينة سعر البرميل، بل أيضًا رهينة صراعاتها الإقليمية وسياستها الخارجية المتوترة.

حتى “المشاريع الضخمة” التي يُفترض أن تجذب العالم، باتت تُمول من ديون الصين وبنوك أوروبا، لا من ثقة الأسواق.

بينما يتحدث البنك الدولي عن تحسّن الأرقام، كشفت وزارة المالية السعودية أن العجز المالي سيرتفع في 2025 إلى 5.3% من الناتج المحلي — أكثر من ضعف التقديرات السابقة.

السبب بسيط:

1. تراجع عائدات النفط الحقيقية.

2. استمرار الإنفاق على مشاريع عملاقة غير منتجة.

3. توسّع الاقتراض المحلي والدولي.

تقرير “بلومبيرغ” أشار إلى أن الحكومة السعودية تسعى للحصول على قرض سيادي جديد بقيمة 10 مليارات دولار لتغطية النفقات العاجلة.

أي أن “النمو” الذي يحتفل به البنك الدولي يُموَّل بالقروض — لا بالاستثمار الحقيقي أو الصادرات أو الابتكار.

البنك الدولي دبلوماسية التجميل

من المهم قراءة تقرير البنك الدولي في سياقه السياسي

المؤسسة التي تتحدث عن “تحسّن النمو” هي نفسها التي تتجنّب انتقاد الأنظمة التي تمولها أو ترتبط بها بعقود بمليارات.

فالبنك لا يقيس العدالة في توزيع الدخل، ولا يلتفت إلى القمع أو انعدام الشفافية، بل إلى “الأداء المالي الظاهري”.

ولذلك، يصبح النظام السعودي — رغم القمع والفساد والبطالة المتفاقمة — مؤهلًا في نظر البنك لنمو “إيجابي”.

إنها لغة مالية بلا ضمير: الأرقام تلمّع، والواقع ينهار.

من النمو إلى الغلاء المواطن يدفع الفاتورة

في ظل “التحسن الاقتصادي” المزعوم، يعيش المواطن السعودي واحدة من أسوأ فترات التضخم وارتفاع الأسعار.

الضرائب ارتفعت ثلاث مرات منذ 2018، وأسعار الخدمات الأساسية — من الوقود إلى الكهرباء — تضاعفت.

ومع ذلك، يواصل النظام الحديث عن “تمكين المواطن” و“تحسين جودة الحياة”.

الحقيقة أن النمو الذي يتحدثون عنه لا يصل إلى جيوب الناس، بل يتبخر في صفقات، واحتفالات ترفيهية، ومهرجانات استعراضية، ومشاريع لم ترَ النور.

يُدرك النظام السعودي أن بقاءه السياسي يعتمد على رواية “النجاح الاقتصادي”.

لكن حين يصبح هذا النجاح رقميًا فقط، فإنه يتحول إلى قناع هشّ يخفي واقعًا من الأزمات.

التقارير الدولية — من “فايننشال تايمز” إلى “بلومبيرغ” — تشير إلى تراجع ثقة المستثمرين وتباطؤ المشاريع.

وبينما يحاول ابن سلمان تصدير صورة “القائد المصلح”، يواجه في الداخل اقتصادًا منهكًا ومجتمعًا يزداد فقرًا وتململاً.

نمو على الورق وانكماش في الحقيقة

يبدو تقرير البنك الدولي كأنه شهادة تفاؤل مجانية لنظامٍ يعيش على الإنعاش المالي.

لكن الأرقام التي تُعرض كدليل “تعافٍ” تخفي دينًا متزايدًا، ونفطًا متقلبًا، ومشاريع متعثرة، واقتصادًا هشًا.

النمو الحقيقي لا يقاس بنسبة مئوية في تقرير، بل بما يشعر به المواطن في حياته اليومية — وفي السعودية اليوم، كل المؤشرات تقول العكس.

إن “النمو السعودي” هو نمو بالاقتراض، وإن “التحسن الاقتصادي” ليس سوى هدنة مؤقتة قبل الانفجار المالي القادم.

وحين يكتب التاريخ الاقتصادي للعقد القادم، سيُذكر عام 2025 لا كعام التعافي، بل كـ العام الذي أصبحت فيه “الرؤية” رقمًا في ميزانية الديون، لا مشروعًا للتنمية.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية