من المويلح إلى أوكساجون، ومن قرى الحويطات إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر، يرسم النظام السعودي ملامح “مدينة المستقبل” على خريطة من القمع والدم.
فما يسوّقه ابن سلمان للعالم على أنه مشروع “التحول الأخضر” و“رؤية 2030” ليس سوى تجسيد معاصر للاستعمار الداخلي:
السكان يُهجَّرون قسرًا من أراضيهم، والعمال يُساقون إلى الصحراء ليعملوا كالآلات، والبيئة تُستعمل كديكور لتغطية جريمة إنسانية ممنهجة.
نيوم ليست مشروعًا عمرانيًا، بل مختبر سياسي تُجرَّب فيه أدوات السيطرة الجديدة:
التهجير كـ”تطوير”،
والعمل القسري كـ”إنتاج”،
والصمت الدولي كـ”شراكة في التنمية”.
التهجير في المويلح عندما تتحول التنمية إلى اقتلاع
في سبتمبر الماضي، كشفت منظمة القسط لحقوق الإنسان أن السلطات السعودية جددت حملة الإخلاء القسري في قرية المويلح، إحدى القرى الواقعة ضمن نطاق نيوم.
أُغلقت المدارس، قُطعت الكهرباء والمياه، وتلقّى السكان تهديدات مباشرة بضرورة الرحيل أو مواجهة العزلة التامة.
السلطات لم تُصدر أوامر مكتوبة، بل اعتمدت سياسة “الخنق البطيء”:
حرمان الخدمات لإجبار الناس على المغادرة طوعًا.
إنها هندسة قسرية للمجتمع تُرتكب باسم “التنمية”.
المويلح ليست استثناءً، بل امتداد لجرائم سابقة في الخريبة وشرما والبدع، حيث تم تهجير آلاف الأسر من قبيلة الحويطات.
الذين رفضوا ترك منازلهم اعتُقلوا أو قُتلوا، مثل عبدالرحيم الحويطي الذي أُعدم ميدانيًا في منزله عام 2020 بعد رفضه مغادرة أرضه.
مدينة المستقبل تُبنى على أنقاض الماضي
منذ إعلانها عام 2017، بُنيت نيوم على فكرة “المكان بلا إنسان”، إذ جرى تصوير المنطقة كصحراء خالية من السكان.
لكن الحقيقة أن هذه الأرض كانت مأهولة منذ قرون، بثقافة وقبائل وجذور، جرى محوها بالقوة لصالح المستثمرين الأجانب.
إغلاق المدارس وقطع الماء والكهرباء ليس مجرد قرار إداري، بل أداة تهجير سياسي، تمارسها السلطة بغطاء من مصطلحات براقة مثل “إعادة توطين” و“تحسين جودة الحياة”.
لكن الجودة لا تبدأ من الأبراج، بل من البيت الذي يُنتزع من صاحبه.
أوكساجون “التحول الأخضر” بدماء المهاجرين
في الوقت الذي تُهجّر فيه العائلات من قراها، يجري في المقابل تجنيد آلاف العمال المهاجرين من نيبال وبنغلاديش والهند لبناء مشاريع نيوم وأوكساجون.
تقرير مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان وثّق شهادات 34 عاملاً كشفوا عن جحيمٍ يشبه السخرة الحديثة:
“كنا نُعامل كالآلات، لا كبشر.”
“نعمل تحت الشمس بلا ماء، ونُهدد بالترحيل إن توقفنا.”
العمال يُجبرون على العمل في عواصف ترابية وحرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، ومنهم من مات بنوبة قلبية بسبب الإجهاد الحراري، وآخر فقد ساقيه بعد أن دهسته آلة JCB أثناء عاصفة لأن مديره رفض إيقاف العمل.
هذه ليست حوادث فردية، بل نظام عمل قسري محمي رسميًا، حيث تصادر جوازات السفر ويُمنع العمال من ترك مواقعهم، في انتهاك صريح لاتفاقية العمل الجبري رقم 29.
تمويل ملوث بالدم
بينما يدّعي النظام أن نيوم “مشروع وطني”، فإن التمويل يأتي من مصادر أجنبية وصينية.
وفقًا لـ“رويترز”، موّلت بنوك صينية مثل ICBC وبنك البناء الصيني مشاريع الطاقة في نيوم بقروض تجاوزت 3.75 مليار دولار.
وفي الوقت نفسه، رفض بنك أول السعودي (Saudi Awwal Bank) الرد على طلب رسمي من منظمة حقوقية بخصوص دوره في تمويل مشاريع أوكساجون رغم توثيق الانتهاكات.
إن هذا الصمت المصرفي ليس حيادًا، بل تواطؤ مالي في جريمة إنسانية.
كل دولار يدخل نيوم هو رصيد جديد في حساب العبودية.
الازدواجية: “رؤية 2030” كواجهة للتطهير الإنساني
في خطاباته الرسمية، يتحدث ابن سلمان عن “رؤية 2030” باعتبارها مشروعًا لـ”تمكين الإنسان”، بينما يَسلب الإنسان حقه في الحياة والعمل والكرامة.
في الخارج يُروّج للبيئة والاستدامة، وفي الداخل يُهجر السكان ويُستعبد العمال.
نيوم ليست رؤية اقتصادية، بل آلية سياسية لتثبيت حكم الفرد المطلق عبر المال والمشاريع والصورة البراقة.
تُستخدم “المدن الذكية” كوسيلة لضبط المجتمع، و”المشاريع الخضراء” كأداة لتبييض القمع.
من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن الشركات الغربية إلى البنوك الآسيوية — الجميع يعرف ولا يتكلم.
الغرب الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان يُغضّ الطرف لأن عقود نيوم تملأ جيوبه.
المنظمات الدولية تكتفي ببيانات دبلوماسية غامضة، بينما تتساقط الأرواح في رمال نيوم.
هذا الصمت هو تواطؤ مصلحي يشرعن القمع مقابل الاستثمار.
فحين يصبح رأس المال هو معيار الأخلاق، تُمحى العدالة من الخريطة.
مدينة من زجاج تُبنى على أنقاض البشر
من المويلح إلى أوكساجون، من التهجير إلى العبودية، يثبت مشروع نيوم أنه ليس ثورة في العمران، بل في الإجرام.
مشروع يسرق الأرض من أصحابها، ويستهلك العمال حتى الموت، ويُسوَّق للعالم كـ”معجزة حضارية”.
لكن خلف كل برجٍ زجاجي هناك بيتٌ مهدوم،
وخلف كل إعلانٍ عن “مستقبل أخضر” هناك عامل جائع وسكان منسيون.
ابن سلمان لا يبني مدينة للمستقبل، بل يقيم متحفًا للألم الإنساني المعاصر — حيث تُعرض أجساد العمال كرمز للإنجاز، ودموع المهجرين كوقودٍ للطموح الملكي.
وفي النهاية، يمكن للنظام أن يشتري الصمت الدولي بالصفقات، لكنه لن يستطيع أن يُخفي الحقيقة:
أن نيوم هي أكبر جريمة هندسية في التاريخ الحديث — مشروع يبيع الخيال ويشتريه بالدم.






