رؤية تتآكل بالأرقام: العجز المالي يكشف انهيار النموذج الاقتصادي السعودي

 رؤية تتآكل بالأرقام: العجز المالي يكشف انهيار النموذج الاقتصادي السعودي

تقرير الموازنة السعودية الأخير يكشف تحوّل “رؤية 2030” من شعار اقتصادي إلى عبء مالي متضخم.

فبعد سنوات من الإنفاق غير المحدود على المشاريع العملاقة، تتجه المملكة نحو عجز قياسي في عام 2025 بلغ 65.3 مليار دولار، أي 5.3% من الناتج المحلي — أكثر من ضعف تقديرات ديسمبر الماضي.

هذه الأرقام، التي أوردتها مصادر عدة منها المونيتور وسيمافور، لا تمثل مجرد تراجع مالي، بل انكشاف هيكلي لاقتصاد يقوم على الصرف لا الإنتاج، وعلى الإبهار البصري لا على الكفاءة المالية.

ميزانية متضخمة دون قاعدة إنتاجية

بحسب وزارة المالية السعودية، فإن الإنفاق سيستمر في التوسع رغم خفض التوقعات السابقة، إذ جرى تقليص الخطة من 6.5% إلى 2.8% فقط.

بمعنى أوضح: الحكومة تخلت عن التقشف، وقررت المضي في التمويل المفتوح لمشاريع “الرؤية”، مهما كان الثمن.

لكن خلف هذا القرار، تتراكم مشكلات بنيوية:

اعتماد شبه كامل على النفط رغم الشعارات المتكررة عن “تنويع الدخل”.

تراجع العائد الحقيقي من النفط بسبب الأسعار الحالية التي لا تتجاوز 68 دولارًا للبرميل، بينما سعر التعادل المطلوب للموازنة يتجاوز 90 دولارًا.

ضعف مساهمة القطاعات غير النفطية التي لا تزال تعتمد على الإنفاق الحكومي المباشر كمحرّك رئيسي للنمو.

هذه العوامل مجتمعة تجعل العجز ليس طارئًا، بل ملازمًا لبنية الرؤية ذاتها.

مشاريع عملاقة وعوائد غائبة

منذ انطلاق رؤية 2030، أنفقت السعودية مئات المليارات على مشاريع مثل نيوم، ذا لاين، القدية، وأوكساجون.

لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات مالية تؤكد أن هذه المشاريع تولد دخلًا فعليًا أو فرصًا إنتاجية مستدامة.

العائد الوحيد هو إعلامي؛ إذ تُستخدم المشاريع كأدوات لتسويق النظام السياسي في الخارج تحت عنوان “التحديث والانفتاح”.

أما على مستوى الاقتصاد، فالمشاريع تحولت إلى مراكز إنفاق ضخمة تزيد من الديون وتعمّق العجز.

حتى صندوق الاستثمارات العامة، الذي يفترض أن يكون قاطرة النمو، بات أداة تمويل سياسي تستهلك الاحتياطات العامة في صفقات ترفيه ورياضية لا مردود اقتصادي لها.

النفط الرخيص يفضح هشاشة “التحول”

تراجع أسعار النفط يضرب جوهر الرؤية في الصميم.

فالمملكة، رغم وعودها بتنويع مصادر الدخل، لم تنجح في فك ارتباط ميزانيتها بعوائد النفط.

وحين تتراجع الأسعار، تظهر الحقيقة:

الاقتصاد لم يتحول، بل استمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها — استخراج، إنفاق، ثم عجز.

تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد تؤكد أن الاقتصاد السعودي يواجه خطر “ركود تضخمي” في حال استمرت الأسعار دون 80 دولارًا، وهو ما يضع الحكومة أمام معضلة:

إما تقليص الإنفاق وفقدان الزخم السياسي،

أو الاستمرار في الاقتراض وزيادة العجز، ما يعني تآكل الاستدامة المالية خلال خمس سنوات.

الإنفاق الحكومي الضخم لم يعد مجرد قرار اقتصادي، بل خيار سياسي لضمان الولاء والاستقرار الداخلي.

من مهرجانات الترفيه إلى صفقات الشراكة مع شركات عالمية، تُستخدم الأموال العامة لخلق صورة “الانفتاح” وتغطية القمع السياسي المتزايد.

لكن هذا الإنفاق لا يخلق وظائف دائمة ولا يرفع الكفاءة الإنتاجية، بل يضاعف الاعتماد على الدولة كمصدر وحيد للحركة الاقتصادية.

وفي المقابل، تتراجع الطبقة المتوسطة تحت ضغط الضرائب وارتفاع الأسعار، بينما تتضخم مديونية الدولة والقطاع الخاص على حد سواء.

دين عام متصاعد وثقة تتآكل

بحسب تقارير بلومبرغ إيكونوميكس، يحتاج الاقتصاد السعودي إلى سعر نفط يتجاوز 111 دولارًا للبرميل لتغطية الإنفاق المرتبط بصندوق الاستثمارات العامة وحده.

لكن الأسعار الحالية تجعل هذا الهدف مستحيلًا، مما يدفع الرياض نحو الاقتراض الخارجي مجددًا.

السؤال الذي يطرحه الخبراء اليوم ليس: كم ستنفق السعودية؟

بل: إلى متى يمكنها الإنفاق بهذه الوتيرة؟

كل مؤشرات الدين، من نسبته إلى الناتج المحلي وحتى حجم خدمة الدين السنوي، تشير إلى تآكل الثقة تدريجيًا في قدرة الدولة على تحقيق توازن مالي طويل الأمد.

رؤية بلا أساس

بعد تسع سنوات من إطلاق رؤية 2030، يقف النظام السعودي أمام مفارقة صارخة:

الإنفاق يتوسع، لكن الاقتصاد لا ينمو.

المشاريع تتكاثر، لكن الإنتاج لا يتحرك.

والدعاية تشتد، لكن الأرقام تنكشف.

العجز المالي القياسي ليس خطأ في التقدير، بل نتيجة حتمية لسياسات تقوم على الاستعراض بدل الإصلاح.

وإذا استمر هذا المسار، فإن “رؤية 2030” لن تُذكر كمشروع تنمية، بل كأكبر تجربة فاشلة في إدارة الثروة في تاريخ المنطقة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية