الترفيه الذي فضح صاحبه: مهرجان الرياض يعيد فتح ملف القمع السعودي

 الترفيه الذي فضح صاحبه: مهرجان الرياض يعيد فتح ملف القمع السعودي

لم يكن مهرجان الرياض للكوميديا هذا العام حدثًا ترفيهيًا عابرًا، بل لحظة انكشاف سياسي مدوٍّ.

فبينما أنفقت هيئة الترفيه بقيادة تركي آل الشيخ ملايين الدولارات لجلب نجوم عالميين لتلميع صورة النظام، عاد أحد أبرزهم — الكوميدي الأمريكي عزيز أنصاري — ليصف السعودية بأنها “نظام قمعي ووحشي”، معلنًا تبرعه بجزء من أجره لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

بهذا التصرف، انهارت رواية “الانفتاح الثقافي” التي تبنيها الحكومة منذ سنوات، وتحوّل المهرجان من أداة تبييض سياسي إلى منصة لإدانة من موّلوه.

من الكوميديا إلى السياسة: الضربة التي لم يتوقعها آل الشيخ

بحسب نيويورك تايمز، فإن الهدف من المهرجان كان إظهار السعودية كدولة منفتحة ومتسامحة، واستخدام الكوميديا كقناة ناعمة لإزالة الصورة السلبية عن النظام.

لكن التصريحات اللاحقة لأنصاري قلبت المشهد رأسًا على عقب:

 “هناك سعوديون لا يتفقون مع ما تفعله حكومتهم.”

“السلطات في الرياض تقمع حرية الصحافة وحقوق الإنسان.”

لم تمر هذه الجمل مرور الكرام؛ إذ أشعلت نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير في السعودية، لتتحول الفعالية التي أُريد بها الصمت إلى حدث سياسي يثير الجدل العالمي.

أموال الترفيه تفقد سحرها

واقعة أنصاري ليست الأولى. فقد سبقتها فضيحة الكوميدية الأمريكية جيسيكا كيرسون، التي أعلنت ميولها الجنسية على المسرح بدعم من المنظمين، ثم اعتذرت لاحقًا وتبرعت بأجرها لمنظمة حقوق إنسان، معتبرة مشاركتها في حدث برعاية الحكومة السعودية “غلطة مهنية”.

وبذلك تكرّر المشهد ذاته: المال السعودي يُنفق لشراء الولاء، لكنه لا يشتري المصداقية. بل على العكس، صار كل فنانٍ يُستقدم إلى الرياض فرصة جديدة لتذكير العالم بانتهاكات النظام وقيوده الاجتماعية والسياسية.

مشروع القوة الناعمة في مأزق

منذ عام 2018، تحوّلت هيئة الترفيه إلى ذراع سياسية للنظام أكثر منها مؤسسة ثقافية. الهدف المعلن: “تحسين صورة السعودية عالميًا”. لكن النتيجة الفعلية: تآكل المصداقية وازدياد الانتقادات.

فالسلطة التي تستضيف مهرجانات الكوميديا والمصارعة والفنون، هي نفسها التي تعدم المعارضين وتمنع الصحافة المستقلة وتفرض رقابة صارمة على المواطنين. تحتفي بالضحك على المسرح، لكنها تُسكت كل ضحكة خارج النص الرسمي.

نيويورك تايمز كتبت أن “محاولة الرياض إسكات الانتقادات عبر الترفيه أتت بنتائج عكسية”،

بينما وصفت هوليوود ريبورتر ما جرى في مهرجان الكوميديا بأنه “واحدة من أكبر الأزمات الدعائية التي تواجه السعودية منذ بدء سياسة الانفتاح”.

بل إن النقاش العالمي حول حرية التعبير في السعودية خلال الأسبوعين الأخيرين — بحسب تحليل الصحيفة — كان أوسع من النقاش الذي أعقب إعدام الصحفي تركي الجاسر في يونيو الماضي.

هكذا تحوّل حدث ترفيهي إلى منصة سياسية مفتوحة لمراجعة سجل النظام الحقوقي.

حين يصبح الانفتاح واجهةً للإغلاق

تكمن المفارقة في أن هذه السياسة الدعائية لم تُبنَ على إصلاح حقيقي، بل على استيراد الرموز الثقافية دون استيراد قيم الحرية التي تمثلها.

المهرجانات تُقام، لكن دون حرية نقد.

العروض تُعرض، لكن داخل حدود مرسومة بعناية.

وهكذا، يظل الانفتاح مجرد مشهد استهلاكي لا يعكس تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة.

النتيجة أن النظام يفقد السيطرة على روايته:

كل فنان يغادر الرياض يعود ليحكي قصتها الحقيقية — لا كما يريد آل الشيخ، بل كما رآها بنفسه.

حين يشتري النظام صوته ويُباع في العلن

لقد أراد تركي آل الشيخ أن يجعل من موسم الرياض منصة للعالمية، فحوّله الفنانون أنفسهم إلى منصة لإدانة القمع.

 أرادت الحكومة أن تصنع من الكوميديا أداة تلميع،فأصبحت أداة فضح.

إن ما حدث مع عزيز أنصاري لا يخصه وحده، بل يُجسّد فشل نموذج القوة الناعمة السعودي الذي يعتمد على المال بدل المبدأ، وعلى الصورة بدل المضمون.

في النهاية، تظل الحقيقة بسيطة وواضحة:

لا يمكن لنظام يقمع حرية الكلمة أن ينجح في تصدير خطاب الحرية،ولا يمكن للضحك أن يخفي صدى المقصلة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية