من واشنطن إلى هوليوود: المال السعودي يشتري النفوذ ويخسر السيادة

من واشنطن إلى هوليوود: المال السعودي يشتري النفوذ ويخسر السيادة

تتوسع دائرة المال السعودي حول العالم، لكن ليس في الاتجاه الذي وعدت به “رؤية 2030”.

فبدل بناء اقتصاد وطني منتج، يتحول المال العام إلى أداة شخصية بيد محمد بن سلمان، يُستخدم لتلميع صورته في الخارج، وشراء الولاءات في العواصم الغربية، من واشنطن إلى لوس أنجلوس.

تقرير ABC News كشف أن صهر الرئيس الأمريكي السابق جاريد كوشنر يستثمر أموال السعوديين في شركات أمريكية لحسابه الخاص، في حين أشار موقع Puck إلى أن مؤسسة مسك التابعة لابن سلمان تضخ مليار دولار في مشروع سينمائي ضخم في هوليوود بالشراكة مع شركات ترفيهية يابانية وسعودية.

ما يجمع القصتين ليس الاقتصاد، بل الفساد المقنّع بالدبلوماسية الاستثمارية.

كوشنر الوسيط الذي يربح من مال غيره

تقرير ABC News أوضح أن صندوق Affinity Partners التابع لكوشنر حصل على حصة 5% من صفقة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على شركة الألعاب العملاقة EA، لكن المفارقة أن المال المستخدم لم يكن مال كوشنر نفسه، بل أموال العميل السعودي التي يستثمرها نيابةً عنه.

 “في الواقع، إن المال المستخدم من قبل أفينيتي هو في معظمه أموال العميل السعودي تستثمرها الشركة نيابة عنه، بينما يتقاضى كوشنر رسوم إدارة مقابل ذلك.” — ABC News

بهذا الأسلوب، يُحوّل كوشنر الصندوق السيادي السعودي إلى محفظة خاصة لإدارة مصالحه الشخصية،

ويحصل على ملايين الدولارات من “رسوم الإدارة” مقابل استثمار أموال ليست له أصلًا.

إنها ليست شراكة، بل استغلال سياسي مغطى بالاستثمار:

النفوذ الأمريكي يربح، والمال السعودي يُستنزف، والسلطة في الرياض تشتري صمت واشنطن بدولارات النفط.

“مسك” وهوليوود.. الترفيه كغطاء جديد

بالتزامن مع صفقة كوشنر، كشف موقع Puck أن الأموال السعودية وصلت رسميًا إلى هوليوود.

فقد ضخت مؤسسة مسك — التي يرأسها ابن سلمان شخصيًا — استثمارات بقيمة مليار دولار في استوديو جديد باسم Arena SNK Studios، بالتعاون مع مجموعة MBC المملوكة جزئيًا للدولة، وشركة SNK اليابانية التي تسيطر عليها المؤسسة نفسها.

يُروَّج للمشروع على أنه “شراكة ثقافية دولية” تهدف إلى “توسيع الحضور السعودي في صناعة الترفيه”، لكن في جوهره هو مشروع نفوذ شخصي، حيث تُستخدم مؤسسات ولي العهد الخاصة كقنوات ضخ للأموال في قطاعات الدعاية والإعلام الخارجي، تمامًا كما تُستخدم صناديق الدولة لاسترضاء شركاء سياسيين مثل كوشنر في واشنطن.

المال العام في خدمة الصورة الخاصة

في الحالتين، تُدار الاستثمارات من مؤسسات شخصية مرتبطة بولي العهد مباشرة — سواء عبر صندوق الاستثمارات العامة أو مؤسسة مسك.

الفرق بين “المال العام” و“المال الشخصي” لم يعد واضحًا؛ إذ يُستعمل الاثنان لخدمة غرض واحد:

تلميع صورة ابن سلمان كقائد عالمي تقدمي، ولو على حساب أموال السعوديين ومستقبلهم.

إن ضخ مليار دولار في صناعة السينما الأجنبية لا علاقة له بالتحول الاقتصادي، بل هو استثمار في شراء الشرعية الثقافية أمام الغرب — الشرعية التي لا يمكن كسبها بالمال، لأنها تُبنى على احترام الحقوق، لا على صفقات الإبهار.

شراء النفوذ بدل بنائه

يُدرك ابن سلمان أن مشاريعه الداخلية — من نيوم إلى رؤية 2030 — تواجه أزمة ثقة حقيقية بعد تراجع أسعار النفط واتساع العجز المالي، ولذلك يحاول تعويض فشله الاقتصادي بتوسيع نفوذه الخارجي من خلال المال.

صفقات كوشنر وهوليوود ليست سوى مظاهر لسياسة شراء النفوذ بالدولار:

دعم لوبيات سياسية في واشنطن، وترويج لصورة “المصلح الشاب” في هوليوود والإعلام الغربي.

لكن هذه السياسة مكلفة أخلاقيًا وماليًا:

فكل دولار يُستثمر في الخارج لشراء سمعة، يُخصم من ميزانية التعليم والصحة والوظائف في الداخل.

من تبييض السمعة إلى تبييض النفوذ

تصف الصحف الغربية هذه الصفقات بأنها “شراكات استراتيجية”، لكنها في الحقيقة قنوات تبييض متبادل.

 ابن سلمان يُبيّض صورته عبر شركات أمريكية كبرى، وكوشنر يُبيّض ماضيه السياسي من خلال المال السعودي الذي ينقذه من الإفلاس. أما هوليوود، فتكسب تمويلًا بلا شروط في زمن يواجه فيه القطاع ركودًا حادًا.

النتيجة:

يتحول المال السعودي إلى وقود لمنظومة الفساد الغربي ذاته الذي يدّعي محاسبته، ويصبح النظام السعودي شريكًا في “اقتصاد التأثير”، لا في الاقتصاد الإنتاجي.

المال مقابل الصمت

ما يجمع بين كوشنر وهوليوود هو الهدف ذاته:

الصمت الغربي تجاه القمع في السعودية.فكوشنر يملك النفوذ داخل الحزب الجمهوري ودوائر ترامب،

وهوليوود تملك المنابر الإعلامية الكبرى. وبين الاثنين، يشتري ابن سلمان مساحة جديدة من الحماية السياسية والإعلامية مقابل مليارات الشعب. لكن الصفقات لا تصنع احترامًا، بل تكشف هشاشة السلطة التي تحتاج دومًا إلى “وسيط غربي” لتبرير وجودها.

رؤية بلا اقتصاد ونفوذ بلا سيادة

إن الجمع بين صفقة كوشنر/EA واستثمار هوليوود بمليار دولار يكشف أن النظام السعودي يسير في مسار واحد:

تحويل الدولة إلى صندوق تمويل شخصي للمشاريع الدعائية.الاقتصاد الوطني يتراجع، والعجز المالي يتضخم، لكن الإنفاق على العلاقات العامة والنفوذ الخارجي لا يتوقف.

هذا ليس “تحولًا اقتصاديًا”، بل ارتهان سيادي بوجه جديد. فكل صفقة مع كوشنر، وكل استثمار في هوليوود، ليست خطوة نحو التقدم، بل نحو تثبيت تبعية جديدة — تبعية لا تُفرض بالقوة، بل تُشترى بالمال.

وفي النهاية، يظل السؤال قائمًا:

كم من المليارات سيُهدر بعد، قبل أن يدرك السعوديون أن “رؤية 2030” تحولت إلى فيلم من إنتاج هوليوود… وتمويل من جيوبهم؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية