في الوقت الذي تواجه فيه السعودية عجزًا ماليًا قياسيًا يتجاوز 65 مليار دولار، تواصل هيئة الترفيه برئاسة تركي آل الشيخ إنفاق مئات الملايين من الدولارات على فعاليات قصيرة العمر لا تترك أثرًا اقتصاديًا أو تنمويًا، بل تحوّل الترفيه إلى مشروع شخصي قائم على الاستعراض والوجاهة السياسية.
آخر الأمثلة الصارخة جاءت من بطولة “الملوك الستة للتنس” التي انطلقت هذا الأسبوع في الرياض، حيث كشفت الأرقام أن تكلفة البطولة وحدها تجاوزت 15 مليون دولار، بينما لم تتضمن سوى خمس مباريات فقط.
بطولة خمس مباريات بـ15 مليون دولار
وفقًا لموقع Essentially Sports، خصص تركي آل الشيخ جوائز مالية غير مسبوقة لبطولة التنس التي تضم ستة لاعبين فقط:
1.5 مليون دولار مضمونة لكل لاعب.
4.5 مليون دولار إضافية للبطل (بمجموع 6 ملايين دولار للفائز).
إجمالي جوائز يبلغ 13.5 مليون دولار.
أرقام كهذه لا تُرى إلا في البطولات الكبرى مثل “ويمبلدون” و“رولان غاروس”، لكنها هنا تُنفق في فعالية تجريبية مغلقة،
يُراد منها — كما يقول المقربون من آل الشيخ — “وضع المملكة على خريطة الترفيه العالمي”، بينما الواقع يقول إنها تضع المال العام على مائدة الإعلانات المؤقتة.
ادعاءات “النفاد” وحقيقة المقاعد الفارغة
قبل انطلاق البطولة، خرج تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي داعيًا الشباب السعودي إلى “الاستعجال بحجز التذاكر، لأنها قاربت على النفاد”.لكن الصور والفيديوهات التي تناقلها الحضور أظهرت مقاعد فارغة واهتمامًا جماهيريًا محدودًا جدًا،
لتنقلب الدعاية على صاحبها.
هذا النمط من التهويل لم يعد جديدًا، فكل موسم من مواسم الرياض يبدأ بحملات ضجيج دعائية تتحدث عن “الإقبال العالمي”، ثم تنتهي بواقع هزيل لا يتناسب مع الإنفاق الضخم، ما يؤكد أن الهدف ليس بناء صناعة ترفيه، بل صناعة صورة إعلامية مفرغة من الجدوى.
تمويل خارجي لأنشطة لا علاقة لها بالمملكة
الأخطر من ذلك أن أموال هيئة الترفيه لم تعد تُنفق داخل البلاد فقط، بل بدأت تُستخدم — كما كشف Essentially Sports — لتمويل فعاليات أجنبية بالكامل.
فقد ساهم “موسم الرياض” سابقًا في تغطية تكاليف عرض UFC Noche في لاس فيغاس، ويُقال إن منظمة UFC تدرس تمويل عرضها المرتقب في البيت الأبيض عام 2026 من أموال الموسم نفسه.
هذه ليست “شراكات دولية”، بل رعاية سياسية بأموال الدولة لأحداث تجارية أمريكية، تُمنح في مقابل الدعاية للنظام السعودي وتلميعه في الغرب على حساب المال العام.
تركي آل الشيخ لا يعمل في فراغ؛ فالبذخ الذي يمارسه هو امتداد لنهج النظام الذي يرى في الترفيه وسيلة لشراء الشرعية الاجتماعية والتغطية على القمع الداخلي. لكن المفارقة أن هذا الإنفاق الهائل يأتي في وقت تُخفض فيه موازنات التعليم والصحة،
ويُعلن فيه رسميًا عن تراجع في الإيرادات النفطية وارتفاع الدين العام.
بينما يُطالب المواطن “بضبط الإنفاق الشخصي”، تُنفق هيئة الترفيه عشرات الملايين على حفلات ومباريات لا تتجاوز أيامًا معدودة،
ويُسوّق كل حدث منها كـ“حدث تاريخي”، في حين لا يترك وراءه سوى هدر مالي بلا أثر اقتصادي ملموس.
صناعة الترفيه أم صناعة الولاء؟
المنطق الذي يحكم هيئة الترفيه لا علاقة له بالثقافة أو الاقتصاد، بل يقوم على إنتاج الولاء السياسي عبر الاستعراض الجماهيري.
كل عرض، وكل بطولة، وكل عقد رعاية مع نجم غربي، هو في جوهره رسالة سياسية موجهة للداخل والخارج:
“لدينا القوة والمال لنفعل ما نشاء.”
لكن هذا الولاء المصنوع بالمال هشّ بطبيعته، لأنه لا يستند إلى مشاركة حقيقية أو فوائد ملموسة للمجتمع، بل إلى إبهار استهلاكي مؤقت لا يغيّر شيئًا في البنية الثقافية أو الاقتصادية.
يدّعي آل الشيخ أن موسم الرياض يوفر “أكثر من 25 ألف وظيفة مباشرة”، لكن معظم هذه الوظائف مؤقتة ومنخفضة الأجر،
ولا تساهم في خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
بمعنى آخر، يُضخ المال العام في فعالية قصيرة، ثم يعود إلى الخارج عبر عقود تنظيم واستضافة لشركات أجنبية.
وفي نهاية كل موسم، تُعلن الهيئة عن “نجاحات قياسية” دون أي تقارير مالية شفافة أو مراجعة مستقلة، لتتحول الفعالية إلى صندوق أسود للإنفاق غير الخاضع للمساءلة.
الانفصال عن الواقع
بينما يعيش آلاف السعوديين تحت ضغط ارتفاع الأسعار والضرائب، ويُطالبون “بالصبر على الإصلاحات”، تُنفق مليارات الريالات على فعاليات تُقام لأيام معدودة وتستضيف مشاهير عالميين مقابل أرقام فلكية.
هذا التناقض يُبرز جوهر المشكلة:
الترفيه في السعودية ليس مشروع تنمية، بل مشروع سلطة. فما يقدمه تركي آل الشيخ ليس خدمة عامة، بل عرضًا مستمرًا لسطوة الدولة على الفضاء العام والمال العام.
الترفيه الذي يستهلك الدولة
من بطولة التنس إلى حفلات الرياض إلى تمويل UFC، كل المؤشرات تقول إن الترفيه السعودي فقد صلته بالتنمية،
وبات جزءًا من منظومة هدر ممنهج يُغطي عجز النظام عبر الدعاية.
قد يربح تركي آل الشيخ عناوين الصحف وصورًا مع نجوم هوليوود، لكن ما يخسره البلد أكبر بكثير:
ثقافة الاستهلاك، والمال العام، وثقة المواطن بأن مؤسسات الدولة تخدمه لا تستخدمه.
الترف لم يعد سياسة ترويج، بل مؤشر أزمة نظام يعالج فشله بالإنفاق، ويُغطي عجزه بالعرض، ويحوّل الترفيه من حق مجتمعي إلى أداة دعاية سياسية.






