في بلدٍ يتصدر العناوين بمهرجاناته الرياضية ونجوم حفلاته الدولية، تتصاعد في المقابل شكاوى السعوديين من انقطاع برامج الدعم الاجتماعي وتقلص قيمتها، لتكشف الهوة العميقة بين خطاب رسمي يعد بـ”رفع جودة الحياة”، وواقع اقتصادي ومعيشي يزداد اختناقًا.
ورغم إنفاق الحكومة مئات المليارات على مشاريع الترفيه والعمران، فإن سياسات الدعم الاجتماعي — مثل حساب المواطن والضمان الاجتماعي — باتت رمزًا لأزمة الثقة بين الدولة والمجتمع.
شهادات متزايدة على منصات التواصل تشير إلى صرامة الشروط، تأخير صرف المساعدات، وضآلة المبالغ مقارنة بتكاليف المعيشة التي تضاعفت مع موجة الضرائب والرسوم الجديدة.
السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم بمرارة:
كيف تفيض الدولة بالمهرجانات، بينما تُدار معيشة الناس كـ”منّة” يمكن سحبها بقرار؟
اقتصاد الولاء لا العدالة
يرى معارضون أن السلطة حوّلت منظومة الدعم إلى أداة سياسية للضبط الاجتماعي، تمنح الفتات بوصفه مكافأة ولاء، لا حقًا إنسانيًا.
فالدولة — كما تصف الدكتورة مريم الدوسري، المتحدثة باسم حزب التجمع الوطني — “تُلزم المحتاج بإثبات فقره مرارًا، في حين تُهدر مليارات على مهرجانات ومشاريع تُباع كرموز نهضة لكنها لا تُنتج وظائف ولا تصنع اقتصادًا منتجًا”.
وتضيف أن الأزمة ليست في الموارد بل في “توجيهها لخدمة نخبة ضيقة مرتبطة بالسلطة، لا لبناء اقتصادٍ يضع المواطن في المركز”.
هذا “الاقتصاد المُمَأسس على الولاء” يخلق معادلة مقلوبة:
الإنجاز يُقاس بالولاء، لا بالكفاءة؛ والدعم يُمنح بالصمت، لا بالحق.
خطاب التخوين بدل الحوار
تزامن هذا الغضب الاجتماعي مع تصاعد خطاب التخوين الرسمي ضد المعارضة التي عقدت مؤتمرًا في واشنطن مطلع أكتوبر.
الإعلام الموالي — وعلى رأسه داود الشريان — اتهم المعارضين بأنهم “يتحدثون بلسان العدو”.
لكن يحيى عسيري، الأمين العام للتجمع الوطني، ردّ بأن “النقد ليس عمالة، والمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي ومحاربة الفساد مشاريع وطنية لا أجنبية”.
مضيفًا أن على الدولة أن “تقبل النقد الأخلاقي من الداخل قبل أن تخوّن أصحابه”.
بهذا الرد، أعاد عسيري النقاش إلى جوهره: ليس صراعًا على الولاء، بل صراع على تعريف الوطنية نفسها — بين وطنٍ يطلب الطاعة، ووطنٍ يحترم حق المواطن في المحاسبة.
مليارات للفرجة وشعب يكدّ
يشير الدكتور عبدالله العودة إلى مفارقة صارخة:
الدولة تنفق مليارات على موسم الرياض، والكوميديا، والبطولات الرياضية “التي لا تحقق أرباحًا” وفق بيانات رسمية، بينما تتقلص مخصصات الضمان وحساب المواطن، وتُثقل كاهل الأسر برسوم متزايدة وضرائب غير مباشرة.
ويتساءل:
“أي اقتصادٍ هذا الذي تُباع فيه صورة الرفاه على الشاشات بينما يُحرم المواطن من حقه في السكن والعمل والدخل الكريم؟”
وفي مقاربة لاذعة، استعاد بيت أحمد شوقي:
“حرام على بلابله الدوحُ… حلالٌ للطير من كلِّ جنس.”
السلطة التي تملك الموارد وتتحكم بالاحتياج
الأمين العام المساعد للتجمع، أحمد حكمي، يذهب أبعد من ذلك بالقول إن “البرامج الاجتماعية لا تُبنى لتقليص الفقر بل لتطويله”.
ففي نظام ملكي مطلق لا يخضع للمساءلة الانتخابية، “ما الذي يدفع السلطة لخدمة مواطنٍ بلا صوت؟”.
ويرى حكمي أن الدولة تحتكر الموارد وتوزعها بما يضمن الولاء، فالدعم يصبح “منة قابلة للقطع”، لا عقدًا اجتماعيًا دائمًا.
هكذا يُعاد إنتاج “اقتصاد الواجهة”: وظائف مؤقتة، مشاريع استعراضية، وموارد تُدار بمنطق العلاقات لا الكفاءة.
الفاتورة الاجتماعية لسياسة “الفرجة”
لا ترفض المعارضة قطاع الترفيه في ذاته، لكنها تحذّر من تحويله إلى غطاء سياسي.
حين تُصرف المليارات على فعاليات قصيرة المدى لا تخلق سلاسل قيمة محلية (صناعة محتوى، تدريب، تقنيات، بنية تحتية)، فإن النتيجة ليست تنمية بل تلميع إعلامي مؤقت.
ومع كل حدث صاخب، يتزايد شعور فئات واسعة بأن حقهم في الأمان الاقتصادي يُستبدل بـ“عروض وطنية” تُستخدم لإلهاء الداخل وتلميع الخارج.
في هذا السياق، تتحول “جودة الحياة” من سياسة عامة إلى أداة تزيين لواقع غير عادل.
من “الرفاه للجميع” إلى “العيش بشروط السلطة”
يختصر هذا المشهد تناقض المرحلة:
بينما تُنفق الدولة بلا سقف على مشاريع دعائية كـ“نيوم” و“بوابة الدرعية” و“المواسم الترفيهية”،
تُدار حياة المواطن بسياسات تقشفية تُقنّن الدعم وتربطه بمعايير الولاء.
ومع غياب مؤسسات رقابية مستقلة وقضاءٍ قادر على محاسبة الإنفاق العام، تتراكم المظالم المعيشية بلا منبر ولا مساءلة.
إنها أزمة عقد اجتماعي أكثر منها أزمة موارد: دولة تملك الثروة لكنها تفشل في توزيعها بعدل.
برنامج بديل: من “منة” إلى “حق”
تقترح المعارضة مسارًا مغايرًا يقوم على:
- اعتبار الدعم حقًا اجتماعيًا غير مشروط سياسيًا.
- نشر عقود المشاريع الكبرى للرقابة العامة.
- توجيه الإنفاق نحو قطاعات إنتاجية (الصناعة، الزراعة، المحتوى المحلي).
- توسيع الحريات المدنية لضمان رقابة المجتمع على المال العام.
- الإفراج عن معتقلي الرأي لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إنها ليست شعارات معارضة بقدر ما هي معايير دولة حديثة: دولة تُحاسب لا تُقدّس، وتخدم المواطن لا تشتري صمته.
الكرامة ليست ترفيهًا
الهوة تتسع بين صورة الرفاه في الخطاب الرسمي وواقع العوز في الشارع.
فالبلاد التي تُنفق على حفلات النجوم في الخارج، تُرهق مواطنيها بإثبات فقرهم في الداخل.
وبين “رؤية 2030” التي تعد بالتحول وواقعٍ يرسّخ الفقر والبطالة، تتضح المفارقة: الدولة تشتري الرفاه للواجهة وتترك العوز في العمق.
إن “جودة الحياة” لا تُقاس بعدد المهرجانات، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة دون أن يُذكَّر بفقره كل شهر.
وحين تتحول المساعدة إلى أداة ضبط، والولاء إلى شرطٍ للبقاء، تسقط التنمية من معناها — وتبقى الرفاهية مجرد ديكورٍ فوق بنية من الفقر المقنّع.






