تخمة النفط تُربك “الرؤية”: فائض المعروض العالمي يهدد مرتكزات التمويل السعودي

 تخمة النفط تُربك “الرؤية”: فائض المعروض العالمي يهدد مرتكزات التمويل السعودي

لأول مرة منذ أزمة 2020، يدخل سوق النفط مرحلة تخمة واضحة في المعروض. فبحسب تقرير بلومبيرغ، أكّد كبار متداولي الطاقة أن الفائض العالمي في النفط بات واقعًا فعليًا، بعد أن أغرقت دول “أوبك بلس” — وعلى رأسها السعودية وروسيا — الأسواق بإمدادات تفوق الطلب الفعلي.

رفعت الوكالة الدولية للطاقة تقديرها للفائض في عام 2026 إلى أكثر من 18%، في وقت توقّع فيه متعاملون رئيسيون هبوط الأسعار إلى الخمسينيات دولارًا للبرميل بنهاية 2025، قبل أن تعود إلى متوسط منتصف الستينيات في العام المقبل.

هذا التحول لا يمثل مجرد حركة في الأسواق، بل تهديدًا استراتيجيًا لمعادلة الإنفاق السعودية التي قامت عليها مشاريع “رؤية 2030”.

السعودية بين طموح “الرؤية” وحسابات السوق

تعتمد المالية العامة السعودية على سعر تعادل يفوق 90 دولارًا للبرميل لتغطية الإنفاق الحكومي المتصاعد، فيما تشير التوقعات الحالية إلى أسعار تقل بنحو 30% عن هذا المستوى.

هذا الفارق يترجم مباشرة إلى عجز قياسي في موازنة 2025 — يصل إلى أكثر من 65 مليار دولار (5.3% من الناتج المحلي)، وفقًا لتقارير فايننشال تايمز وسيمافور.

ومع استمرار الإنفاق على المشاريع العملاقة مثل نيوم وأوكساجون، تبدو السعودية أمام معادلة مستحيلة: خفض الأسعار يعني خنق الإيرادات، أما مواصلة الإنفاق فتقود إلى تضخم العجز واستنزاف الاحتياطيات.

  • أوبك بلس: تحالف بلا بوصلة

بعد سنوات من التحكم الصارم بالإنتاج، تواجه “أوبك بلس” اليوم انقسامًا داخليًا متزايدًا. فالسعودية تدفع باتجاه زيادة الإنتاج لاستعادة حصتها في السوق، بينما تفضل روسيا الحفاظ على تخفيضات محدودة لتجنب انهيار الأسعار، في ظل تراجع قدرتها الإنتاجية بسبب العقوبات الغربية.

هذا التناقض جعل المنظمة تفقد قدرتها على توجيه السوق كما في السابق، وأعاد التوازن إلى أيدي الأسواق التجارية والمضاربين الكبار، الذين يرون الآن أن عصر السيطرة السعودية على الأسعار يقترب من نهايته.

الهبوط المرتقب في الأسعار يهدد بشكل مباشر تمويل المشاريع غير النفطية التي تعتمد على فوائض النفط، وأبرزها مشاريع “الرؤية” في قطاعات السياحة والترفيه والتقنية.

ففي ظل ارتفاع النفقات الجارية، لم يعد صندوق الاستثمارات العامة قادرًا على تمويل تلك المشاريع دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، كما حدث في صفقة تمويل مشروع “جافورة” عبر قروض صينية بقيمة 3.75 مليار دولار.

بمعنى آخر، كل دولار يهبط من سعر النفط يعني دولارًا إضافيًا من الديون،

وكل تراجع في السوق العالمية يضعف قدرة المملكة على تسويق روايتها عن اقتصاد “ما بعد النفط”.

 دورة النفط لا ترحم

يرى محللون في بلومبيرغ ورويترز أن التراجع الحالي ليس مؤقتًا، بل نتيجة تحولات هيكلية في الطلب العالمي، بفعل التوسع في الطاقة المتجددة وتباطؤ الاقتصاد الصيني وعودة الإنتاج الأمريكي بقوة.

بعبارة أخرى، العالم يتغير بسرعة، لكن السياسة النفطية السعودية ما تزال تراهن على أسعار مرتفعة غير واقعية. ومع كل محاولة لدعم الأسعار بخفض الإنتاج، تفقد المملكة حصة من السوق لصالح منتجين جدد أكثر مرونة.

أزمة الرؤية قبل أن تبدأ

التحذيرات الصادرة من كبرى شركات تجارة النفط ليست مجرد مؤشرات سوقية، بل جرس إنذار مالي للنظام السعودي الذي بنى رؤيته على فرضية “نفط غزير وعائد مرتفع”.

إذا استمر الاتجاه الحالي، فإن موازنة المملكة ستدخل مرحلة ضغط غير مسبوقة، حيث تتزاحم الالتزامات المحلية مع الديون الدولية ومع تراجع العائدات النفطية.

وفي ظل هذا المشهد، قد يتحول شعار “التحول الاقتصادي” إلى عبءٍ مزمن، حين تكتشف الحكومة أن الطريق إلى “اقتصاد ما بعد النفط” ما زال — حتى الآن — مرهونًا بسعر البرميل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية