التطبيع تحت الدخان: الرياض تمضي نحو “التحالف الإسرائيلي” رغم حرب غزة

 التطبيع تحت الدخان: الرياض تمضي نحو “التحالف الإسرائيلي” رغم حرب غزة

بينما لا تزال صور الدمار في غزة تملأ الشاشات، تكشف صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية عن اتصالات مستمرة بين السعودية و”إسرائيل”، لم تتوقف رغم الحرب، بل “تسير بوتيرة بطيئة ولكن ثابتة”، بحسب مصادرها.
 الرسالة واضحة: المجازر لا توقف المصالح، والدم الفلسطيني لم يعد حاجزًا أمام التطبيع، بل صار تفصيلًا هامشيًا في حسابات “التحالف الإقليمي الجديد” الذي يقوده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بدعم أمريكي مباشر.

تطبيع بلا توقف

بحسب الصحيفة، فإن اللقاءات والاتصالات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين لم تنقطع منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر الماضي، بل تواصلت على مستويات أمنية واقتصادية، تحت غطاء ما يسمى بـ”التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والأمن السيبراني”.
 المثير أن هذا التعاون يشمل شخصيات إسرائيلية سبق أن دخلت السعودية علنًا، مثل الباحثة “نيريت أوفير”، التي شاركت في تنظيم مشاركة فرق إسرائيلية في رالي داكار 2021 وأبرمت صفقات تجارية وأقامت محاضرات داخل المملكة — في وقت كانت فيه الرياض تعلن رسميًا رفضها لأي علاقات مع تل أبيب.

تقارب سياسي واقتصادي قبل الانتخابات الإسرائيلية

ينقل التقرير عن دبلوماسي أمريكي رفيع قوله إن العام المقبل قد يشهد “تقاربًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا” بين السعودية و”إسرائيل”، خصوصًا قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في خطوة تهدف إلى تسجيل اختراق دبلوماسي يُنسب لإدارة واشنطن وحلفائها في المنطقة.
 ويبدو أن ولي العهد السعودي يسعى لاستثمار هذه اللحظة لتحقيق مكاسب اقتصادية عاجلة تخدم رؤية 2030 المتعثرة، من خلال شراكات مع شركات إسرائيلية في مجالات التكنولوجيا والأمن والطاقة، رغم ما يحمله ذلك من تطبيع مع قوة احتلال تمارس حرب إبادة ضد الفلسطينيين.

تحالف دفاعي ضد إيران ودماء فلسطينية على الهامش

التقرير يكشف أيضًا أن محمد بن سلمان يطمح لتأسيس تحالف دفاعي مع واشنطن تشارك فيه إسرائيل، تحت ذريعة “مواجهة إيران ووكلائها في المنطقة”.
 الصحيفة الإسرائيلية تقول صراحة إن السعودية قدّمت دعمًا ميدانيًا لإسرائيل خلال المواجهة مع إيران في يونيو الماضي عبر إسقاط طائرات مسيّرة كانت متجهة نحو الأراضي المحتلة — وهي خطوة تمثل أول تورط عسكري سعودي مباشر في حماية إسرائيل، حتى وإن لم يُعلن عنها رسميًا.

بهذا المعنى، لا يعود التطبيع مجرد تقارب سياسي، بل تحالفًا عسكريًا ناشئًا يضع السعودية في صفّ واحد مع إسرائيل ضد دولة إسلامية كبرى، في الوقت الذي تواصل فيه الأخيرة قصف غزة وتجويع أهلها.

من رالي داكار إلى غرف الحرب

منذ عام 2021، بدأت العلاقات السعودية الإسرائيلية تتسلل عبر بوابات “الرياضة” و”الاستثمار”، قبل أن تنتقل إلى مستوى أمني وعسكري.
 مشاركة الفرق الإسرائيلية في رالي داكار كانت أول اختبار علني، تلاها تنسيق في ملفات الأمن السيبراني والطاقة والذكاء الاصطناعي.
 الآن، ومع الانفتاح الكبير على الشركات الإسرائيلية في قطاعات التكنولوجيا والدفاع، يبدو أن المملكة تتجاوز الخطوط الرمزية التي كانت تفصلها عن التطبيع الكامل، مستبدلة خطاب “القضية الفلسطينية” بخطاب “المصالح الإقليمية المشتركة”.

حماس كذريعة والتطبيع كهدف

التقرير العبري يؤكد أن عملية 7 أكتوبر كانت — من وجهة نظر إسرائيلية — محاولة من حركة حماس لعرقلة مسار التطبيع مع السعودية.
 لكن النتيجة كانت عكسية: فبدلًا من وقف المسار، تحوّل التطبيع إلى قضية مؤجلة لا مرفوضة، تنتظر فقط التوقيت السياسي المناسب.
 بهذا، تصبح الحرب على غزة ليست عائقًا أمام التطبيع، بل مرحلة تمهيدية لإعادة رسم خريطة التحالفات بما يضمن لإسرائيل أمنها، وللسعودية مقعدًا في النادي الأمريكي–الإسرائيلي.

الإمارات التطبيع العلني والمستمر

تذكر الصحيفة أن الإمارات كانت النموذج الأكثر التزامًا في التطبيع، إذ واصلت رحلاتها الجوية إلى مطار بن غوريون حتى أثناء الحرب، وقدّمت دعمًا “إنسانيًا” في غزة من خلال مشاريع تموّلها وتشرف عليها داخل القطاع.
 في المقابل، لم يُسجّل أي تراجع في مستوى العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب، ما يشير إلى أن الموقف الخليجي الرسمي يتجه نحو ترسيخ التطبيع كواقع دائم، حتى لو كان الثمن التطبيع فوق أنقاض غزة.

 من مكة إلى تل أبيب تحالف على حساب القيم

تكشف هذه المعطيات أن المسار السعودي الإسرائيلي لم يعد سريًا بل ممنهجًا، وأن الحرب على غزة لم توقفه بل أعادت صياغته ضمن خطاب “الأمن الإقليمي ومواجهة إيران”.
 في المقابل، تستمر الحكومة السعودية في ترويج خطاب مزدوج: تدّعي دعم الفلسطينيين في العلن، بينما تنسق أمنيًا واقتصاديًا مع الجهة التي تقتلهم في الميدان.

في النهاية، يبدو أن “رؤية 2030” لم تعد مشروعًا للتنمية بقدر ما هي بوابة تطبيع جديدة تُفتح نحو تل أبيب، حيث تتحول التكنولوجيا والطاقة والأمن إلى ذرائع لتبرير خيانة سياسية مكتملة الأركان.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية