في خطوة جديدة تثير تساؤلات حول منطق إدارة المال العام في السعودية، كشفت صحيفة The Telegraph البريطانية أن صندوق الاستثمارات العامة ضخّ أكثر من 205 ملايين دولار إضافية في شركة الواقع الافتراضي الأمريكية Magic Leap — رغم أنها لم تحقق أرباحًا منذ تأسيسها وتعاني من ديون متراكمة.
وبهذا، يرتفع إجمالي ما أنفقه الصندوق على الشركة منذ استحواذه عليها في 2022 إلى أكثر من مليار دولار أمريكي، في محاولة لإنقاذ مشروع فاشل تقنيًا وماليًا.
“الرهان على الخيال”: حين تتحول التكنولوجيا إلى واجهة سياسية
تُعد Magic Leap واحدة من الشركات التي روّجت في منتصف العقد الماضي لتقنيات “الواقع المعزز” (AR)، لكنها فشلت في الوصول إلى السوق الاستهلاكي بعد خسائر بمئات الملايين وانسحاب مستثمرين كبار مثل Google وAlibaba.
ورغم ذلك، قرر صندوق الاستثمارات العامة السعودي الدخول كمستثمر رئيسي في الشركة المتعثرة عام 2022 — في صفقة فُهمت حينها على أنها شراء لمكانة رمزية في صناعة التكنولوجيا الغربية أكثر من كونها استثمارًا واقعيًا.
اليوم، وبعد عامين من الضخ المالي المستمر، لم تُحقق الشركة أي تحول نوعي، فيما يواصل الصندوق السعودي الإنفاق على “أحلام الواقع الافتراضي” في وقت تعاني فيه المملكة من عجز مالي قياسي وتراجع أسعار النفط.
“استثمار سيادي أم نزيف مالي؟”
الإنفاق على Magic Leap يعكس نمطًا متكررًا في إدارة صندوق الاستثمارات العامة — الذي تحول من أداة تنمية وطنية إلى مضخة مالية للمغامرات غير المنتجة. ففي عام واحد فقط، أنفق الصندوق مليارات على صفقات تتراوح بين الرياضة (LIV Golf) التي خسرت أكثر من 1.1 مليار دولار،
ومشاريع ترفيهية ضخمة، واستثمارات في شركات ناشئة مفلسة في وادي السيليكون.
النتيجة: عائد مالي شبه معدوم، وسمعة استثمارية مرتبكة.
الأسوأ أن هذه الصفقات لا تُخضع لأي مساءلة علنية، ولا تُنشر تفاصيل عوائدها، ما يجعلها أقرب إلى إنفاق سياسي مقنّع بلغة “التحول الاقتصادي”.
“ماجيك ليب” كنموذج لفشل الرؤية التقنية
منذ إطلاق “رؤية 2030”، قدّم محمد بن سلمان التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كـ“محرك المستقبل”، لكن السياسة الاستثمارية للصندوق تركزت على الشراء لا الابتكار.
فبدلًا من بناء مراكز بحث محلية أو دعم شركات سعودية ناشئة، يواصل الصندوق ضخّ الأموال في شركات أجنبية متعثرة — من Lucid Motors إلى Magic Leap — على أمل “شراء الريادة” بالمال.
لكن الواقع مختلف:
الشركات التي يموّلها الصندوق لا تحقق أرباحًا، ولا تنقل تكنولوجيا حقيقية إلى الداخل السعودي.
بل تتحول إلى واجهات دعائية لمشروع سياسي يهدف إلى إقناع الخارج بأن المملكة أصبحت “قوة تكنولوجية”، بينما الداخل يفتقر إلى أبسط البنى الابتكارية.
منطق الاستعراض بدلاً من الجدوى
استثمار مليار دولار في شركة فاشلة لا يمكن تفسيره اقتصاديًا.
لكن يمكن قراءته سياسيًا: إنه جزء من استراتيجية “شراء الاعتراف الدولي”، حيث تسعى السعودية إلى الظهور كفاعل في كل مجال — من الرياضة إلى التكنولوجيا إلى السينما — حتى لو كان الثمن انهيار الجدوى المالية.
النتيجة أن الصندوق السيادي الذي يُفترض أن يبني مستقبل البلاد، يتحول تدريجيًا إلى أداة لتلميع صورة النظام في الخارج.
فالمال يُستثمر في الخارج بينما البطالة في الداخل تتزايد، والاقتصاد المحلي يعتمد أكثر فأكثر على الديون والقروض الخارجية.
مستقبل يُشترى بالدَّين
صفقة Magic Leap ليست استثناءً، بل انعكاس لسياسة مالية تفتقر إلى الرؤية، وتتعامل مع الاستثمار كما تتعامل مع الترفيه: مشهد مؤقت لتغطية فراغ بنيوي.
فبينما تتحدث الحكومة عن “تنويع الاقتصاد”، يواصل صندوق الاستثمارات العامة إنفاق المليارات على مشاريع لا تحقق أي قيمة إنتاجية أو تكنولوجية حقيقية.
وهكذا، يصبح “التحول الاقتصادي” مجرّد واجهة لاقتصاد ريعي جديد — اقتصاد يشترى بالديون ويُباع بالدعاية.






