في الوقت الذي تعلن فيه السعودية عن عجز قياسي في موازنة 2025 يتجاوز 65 مليار دولار،
تواصل الحكومة، عبر هيئة الترفيه وصندوق الاستثمارات العامة، إنفاق المليارات على فعاليات رياضية واستعراضية لا تحقق أي جدوى اقتصادية ملموسة.
من بطولة تنس خُصصت جوائزها بـ13.5 مليون دولار لمباريات لا تتعدى خمس مواجهات، إلى لاعبين عالميين يحصلون على ملايين مقابل دقائق معدودة، يبدو أن الإنفاق الحكومي على “الفرجة” تجاوز حدود الترويج إلى حد التبديد.
تركي آل الشيخ الوزير الذي يصنع الترفيه من أموال الخزانة
في مقدمة هذا المشهد يقف تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه، الذي تحوّلت مبادراته إلى رمز للإنفاق المفرط في دولة تطالب مواطنيها بشد الحزام.
في “بطولة الملوك الستة” للتنس، خصّص آل الشيخ أكثر من 15 مليون دولار لتنظيم خمس مباريات فقط، وحصل كل لاعب من المشاركين الستة على 1.5 مليون دولار مضمونة،
فيما فاز البطل بجائزة إضافية بلغت 4.5 مليون دولار — كل ذلك في بطولة لم تتجاوز ساعات معدودة من اللعب.
حتى ياسر الرميان، رئيس صندوق الاستثمارات العامة، ظهر في مقطع مصوّر متفاجئًا من وزن الجائزة الذهبية التي قدمها آل الشيخ، في مشهد يلخص عبثية إنفاق لا يخضع لأي رقابة مؤسسية.
نيمار نموذج البذخ الأقصى
تكشف الأرقام من موقع talkSPORT أن النجم البرازيلي نيمار حصل على أكثر من 101 مليون يورو من نادي الهلال السعودي خلال عام 2024، رغم أنه لعب فقط 42 دقيقة — أي أن كل دقيقة لعب كلفت النادي 9.2 مليون ريال.
اليوم، انخفضت القيمة السوقية لنيمار إلى 15 مليون يورو فقط، بعد أن اشتراه الهلال بـ90 مليونًا قبل عام واحد، في واحدة من أكثر الصفقات خيبة في تاريخ كرة القدم الحديثة.
هذه الأرقام تمثل وجهًا آخر للهدر المالي المنظم في الدوري السعودي، الذي أنفقت أنديته مجتمعة خلال عام 2025 أكثر من 630 مليون يورو على التعاقدات، فيما لم تتجاوز إيرادات المبيعات 145 مليون يورو، بحسب بيانات “الدرعية إنفوغرافك”.
الترفيه كأداة دعاية والسخرية كحصيلة
لم تعد هذه المهرجانات والبطولات تثير الإعجاب الخارجي، بل أصبحت محورًا للسخرية العالمية من “هوس المال السعودي”.
الكوميدي الأمريكي أندرو شولتز سخر من بذخ الحكومة على المسرح في مهرجان الرياض للكوميديا،
بل ذهب إلى حدّ تشبيه تركي آل الشيخ بـ“أسامة بن لادن” في أحد المقاطع المتداولة،
فيما وصف زميله عزيز أنصاري مشاركته بأنها محاولة للتذكير بأن “ليس كل السعوديين يوافقون على ما تفعله حكومتهم”.
أما في الرياضة، فقد خرج آل الشيخ من لاس فيغاس وسط صافرات استهجان بعد عرض ملاكمة كلّف ملايين الدولارات وتكبد خسائر فادحة، بحسب المروّج البريطاني إيدي هيرن الذي قال:
“يبدو أن عرض موسم الرياض خسر أموالًا ضخمة، فتركي يهتم بالملاكمين أكثر من الأرباح.”
من الاحتياطي السيادي إلى الحفلات الموسمية
يُظهر هذا النمط من الإنفاق أن الحكومة تحول موارد صندوق الاستثمارات العامة إلى تمويل أنشطة ترفيهية لا مردود لها، في وقت تعاني فيه قطاعات أساسية — مثل الإسكان والتعليم والصحة — من تقليص في الميزانيات المخصصة.
النتيجة هي اقتصاد مزدوج:
فوق السطح تُعرض صورة “الرفاه والانفتاح”، لكن تحتها تتسع الفجوة بين العائد الاقتصادي والإنفاق الفلكي، ويزداد الاعتماد على الديون لتمويل “رؤية 2030” التي فقدت اتزانها المالي.
الكوميديا التي تكشف المأساة
اللافت أن السخرية من هذا البذخ لم تأت من معارضين أو ناشطين، بل من داخل المهرجانات نفسها التي موّلتها الحكومة.
فما أُريد له أن يكون دعاية “ناعمة” للنظام، تحوّل إلى منصة لانتقاد سياساته أمام جمهور عالمي.
يقول أحد المحللين الاقتصاديين:
“حين يصبح الإنفاق بلا حساب، تتحول الترفيه إلى سخرية، وتتحول السخرية إلى مؤشّر اقتصادي.”
الدولة التي تضحك وحدها
ما بين بطولة بملايين لساعة لعب، وجوائز من الذهب الخالص، وصفقات رياضية خاسرة، تتجلى المفارقة الصارخة في المشهد السعودي:
بلد يواجه تراجعًا في الإيرادات النفطية وعجزًا غير مسبوق، لكنه يواصل الضحك فوق حفرة العجز.
في النهاية، يبدو أن “الترفيه” الذي أراد النظام تسويقه كرمز للانفتاح، تحوّل إلى مرآة تعكس واقع التبديد المالي، والعزلة عن أولويات المواطن.






