تتصاعد منذ أيام حملة رقمية واسعة تحت وسم #أنقذوا_الشيخ_المنجد، بعد أنباء مؤكدة عن تدهور الحالة الصحية للداعية محمد صالح المنجد داخل أحد السجون السعودية، وسط إهمال طبي متعمد وحرمان من العلاج لأمراض مزمنة تهدد حياته.
هذه ليست قصة سجين واحد، بل مرآة لسياسة دولة جعلت من العلماء والدعاة هدفًا لحملات اعتقال طويلة الأمد، في الوقت الذي تروّج فيه لخطاب “الانفتاح والإصلاح” في الخارج.
الشيخ المنجد: منبر الدعوة إلى زنزانة الصمت
يُعد الشيخ محمد صالح المنجد من أبرز الدعاة السعوديين في العقود الأخيرة، أسّس مواقع دعوية مؤثرة، وله مؤلفات ومحاضرات تُرجمت لعدة لغات. لكن مسيرته انتهت خلف القضبان دون إعلان رسمي عن التهم أو حيثيات القضية.
منظمات حقوقية تؤكد أن المنجد معتقل منذ عدة سنوات ضمن ما يُعرف بـ“اعتقالات الرأي” التي طالت دعاة ومفكرين مثل سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، وغيرهم.
تلك الحملة التي بدأت عام 2017 مثّلت نقطة التحول في تحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات صامتة، واستئصال أي صوت مستقلّ ولو كان من داخل الإطار الديني ذاته.
تدهور صحي خطير وإهمال متعمد
وفق شهادات متطابقة من مقربين وناشطين حقوقيين، فإن الشيخ المنجد يعاني من أمراض مزمنة في القلب والضغط، إضافة إلى تدهور حاد في الوزن وهشاشة جسدية ظاهرة.
ورغم ذلك، تمنع إدارة السجن عنه الرعاية الطبية المنتظمة، ولا تسمح له بالخروج إلى المستشفى إلا في حالات حرجة وبشكل مؤقت.
يصف أحد الحقوقيين وضعه بالقول:
“لقد فقد الشيخ الكثير من وزنه، وحالته الصحية في تدهور مستمر. كل ما نطلبه هو حقه في العلاج، لا أكثر.”
إن هذا الحرمان من العلاج لا يُعد إهمالًا عرضيًا، بل سياسة ممنهجة لتصفية المعتقلين ببطء، كما تصفها منظمات دولية مثل القسط والعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.
“مقابر للأحياء”: صورة من الداخل
تصف شهادات سابقة السجون السعودية بأنها بيئة قاسية ومغلقة على كل أشكال التواصل والرقابة.
لا يُسمح للمنظمات الحقوقية بزيارات مستقلة، ولا يُكشف عن أوضاع المعتقلين إلا عبر تسريبات محدودة أو شهادات عائلاتهم.
يقول أحد النشطاء:
“السجون السعودية ليست مراكز إصلاح، بل مقابر لمعتقلي الرأي. من يدخلها مريضًا يخرج جثة أو مكسورًا.”
وتشير تقارير حقوقية إلى أن سوء الرعاية الطبية تسبّب سابقًا في وفاة عدد من المعتقلين،
منهم دعاة ونشطاء بارزون حُرموا العلاج لفترات طويلة حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة.
حتى الآن، لم تصدر السلطات السعودية أي تعليق رسمي حول حالة الشيخ المنجد أو المطالب المتزايدة لإنقاذه. لكن في المقابل، شهدت منصات التواصل تفاعلًا واسعًا من علماء ودعاة وحقوقيين من مختلف الدول، مطالبين المجتمع الدولي والهيئات الأممية بالتدخل العاجل.
الحملة التي بدأت إلكترونية تحولت سريعًا إلى تحرك رمزي ضد سياسة “الصمت بالترهيب”، التي تخشى فيها العائلات الحديث عن أقاربها المعتقلين خوفًا من الانتقام.
ازدواجية الدولة: إصلاحات واجهة وسجون قمع
القضية لا تُقرأ بمعزل عن السياق العام داخل المملكة. فبينما تروّج الحكومة لصورتها كـ“دولة حداثية” تستضيف بطولات رياضية ومهرجانات موسيقية وتطرح خطابًا جديدًا عن “الوسطية”، تستمر في الوقت ذاته باعتقال الدعاة والعلماء الذين شكّلوا جزءًا من الوعي الديني والاجتماعي في البلاد.
تحت عنوان “مكافحة التطرف”، تم إسكات كل الأصوات التي لا تتماهى مع التوجه الرسمي، وحتى من كانوا جزءًا من المدرسة الدينية الرسمية وجدوا أنفسهم خلف القضبان لمجرد استقلالهم الفكري.
هذه المفارقة بين “التحرر الثقافي” و“القمع الفكري” تكشف أن الإصلاح المزعوم لا يتجاوز مظاهر الترفيه والإعلام، بينما يُخنق الفكر من جذوره.
المسؤولية الأخلاقية والإنسانية
القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح في التزام الدول بتوفير الرعاية الطبية للمعتقلين، باعتبارها حقًا إنسانيًا غير قابل للتصرف.
حرمان المنجد من العلاج يشكل انتهاكًا صارخًا للمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص على معاملة جميع السجناء “معاملة إنسانية تحترم كرامة الإنسان”. لكن السعودية، رغم عضويتها في مجلس حقوق الإنسان، تواصل تجاهل هذه الالتزامات دون رادع دولي فعلي.
حملة #أنقذوا_الشيخ_المنجد ليست مجرد تضامن مع عالم دين؛ إنها اختبار لمدى استعداد العالم الحر لمواجهة انتهاكات نظام يستخدم السجون لتكميم الفكر.
فكل صمتٍ دولي اليوم قد يُقرأ في الرياض كضوء أخضر للمزيد من القمع. إذا مات المنجد في سجنه، فستكون تلك رسالة خطيرة:
أن حياة العلماء والمفكرين يمكن أن تُسحق في الظلام دون مساءلة،
وأن العالم اختار أن يتفرج بدل أن يتكلم.
من الدعوة إلى الشهادة الصامتة
الشيخ محمد صالح المنجد رمز لمرحلة كانت الكلمة فيها منبرًا، واليوم تُعامَل كجريمة.
قضيته تذكير بأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المهرجانات ولا بحجم الأبراج، بل بمدى احترام الدولة لحق الإنسان في الحياة والكرامة.
إنقاذ المنجد ليس فقط إنقاذًا لإنسان مريض، بل إنقاذ لآخر ما تبقى من الضمير الديني الحر في السعودية.






