الإسكان في السعودية: بيوت تُبنى للمستثمرين لا للمواطنين

الإسكان في السعودية: بيوت تُبنى للمستثمرين لا للمواطنين

بينما تروّج الحكومة السعودية لإنجازات “رؤية 2030” في مجال الإسكان، تكشف بيانات موقع MEED Intelligence أن المواطن السعودي العادي أصبح أبعد من أي وقت مضى عن امتلاك منزل.

ففي الوقت الذي تتفاخر فيه الرياض ببناء مدن جديدة ومشاريع عملاقة، تتجاوز أسعار العقارات قدرة الطبقة المتوسطة، في مفارقة صارخة بين أرقام التنمية وواقع الدخل.

وفقًا لتقرير MEED، تشهد السعودية طفرة عقارية هائلة، حيث تُشيد آلاف الوحدات السكنية ضمن مشاريع حكومية وخاصة ضخمة، لكن معظم هذه المشاريع “موجهة للأثرياء والمستثمرين الأجانب”، وليست للسعوديين من ذوي الدخل المتوسط أو المحدود.

النتيجة:

  •  البلاد تبني أكثر من أي وقت مضى، لكن منازلها فارغة من مواطنيها
  • تراجع مؤشر نية الشراء من 40٪ عام 2023 إلى 29٪ عام 2024، وهو انخفاض يعكس فقدان الأمل بين السعوديين في امتلاك سكن، رغم أن الإسكان يُعد أحد أبرز وعود “رؤية 2030”.

الأسعار ترتفع والدخل لا يتحرك

في حين ارتفعت أسعار الشقق والمنازل بأكثر من 25٪ خلال عامين، بقيت الرواتب شبه ثابتة، ولم تواكب تضخم أسعار الأراضي ومواد البناء. بل إن معدلات الفائدة المرتفعة أضعفت قدرة الشباب على الحصول على التمويل العقاري، ليتحول الحلم إلى عبء مالي طويل الأمد.

يقول أحد المحللين الاقتصاديين لموقع MEED:

 “النمو في العرض لم يرافقه نمو في القدرة الشرائية، لذلك يعيش السعوديون طفرة بناء بلا سكن.”

منازل برؤية غريبة وتصاميم بلا هوية

يشير التقرير إلى أن العديد من المشاريع السكنية الكبرى — مثل الأحياء الجديدة في الرياض والدمام وجدة — تتبنّى تصاميم أجنبية مستوردة لا تراعي الثقافة المحلية أو متطلبات العائلة السعودية.

غرف صغيرة، شرفات مغلقة، ومساحات محدودة للخصوصية، ما يجعلها مناسبة للمستثمرين الأجانب والوافدين أكثر من المواطنين الذين نشأوا في بيئة اجتماعية مختلفة تمامًا.

بهذا المعنى، تتحول مشاريع الإسكان إلى استثمارات تجارية لا إلى حلول اجتماعية، في بلدٍ ترتفع فيه أسعار الإيجار سنويًا بنسبة تفوق 12٪، ويعيش فيه الشباب أكثر من أي وقت مضى مع أسرهم لعدم قدرتهم على الاستقلال السكني.

لطالما قدّمت الحكومة الإسكان كركيزة أساسية من “رؤية 2030″، لكن التوزيع الحقيقي للمشاريع يُظهر أولوية الربح على حساب العدالة الاجتماعية. فبينما تذهب الأراضي والعقود إلى شركات عملاقة ومطورين دوليين،يبقى المواطن العادي خارج الحسابات.

حتى البرامج التي أطلقتها وزارة الإسكان لتمويل المواطنين واجهت انتقادات واسعة بسبب ارتفاع الفوائد وطول فترات السداد، ما جعلها غير مجدية لذوي الدخل المحدود.

من التنمية إلى الإقصاء الطبقي

التحول الذي تشهده المدن السعودية لا يُترجم تحسينًا في معيشة السكان، بل يُعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية على أساس طبقي واضح: مدن للأثرياء والمستثمرين، وأطراف مكتظة بالفقراء.

هذه المفارقة تنذر بأزمة اجتماعية عميقة، حيث يتحول “السكن” من حق إلى امتياز، وتتآكل الطبقة الوسطى التي تُعدّ أساس أي استقرار اقتصادي.

 رؤية بلا سكان

من الواضح أن طفرة الإسكان في السعودية تسير في الاتجاه المعاكس لاحتياجات المواطنين.

المشاريع تزداد، والرافعات لا تتوقف، لكن المفاتيح تبقى في أيدي المستثمرين لا أصحاب الأرض.

في النهاية، لا تُقاس التنمية بعدد الأبراج، بل بعدد الأسر التي تجد مأوى كريمًا داخلها.

وما لم تُعَد هيكلة أولويات “رؤية 2030” نحو العدالة المعيشية لا البهرجة العمرانية، فإن المملكة ستواصل بناء مدن يسكنها الغرباء — بينما يظل أبناؤها يبحثون عن منزل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية