العطش العظيم في بلاد النفط

العطش العظيم في بلاد النفط

بينما تروّج الحكومة السعودية لمشاريع “التحول الأخضر” و”الاستدامة البيئية” ضمن رؤية 2030، تكشف تقارير علمية دولية – أبرزها تقرير ناشونال جيوغرافيك – عن كارثة صامتة تتسع في قلب الصحراء:

المياه التي تغذي الحياة في المملكة تنضب بسرعة تفوق قدرة الطبيعة أو التقنية على تعويضها.

تُقدّر جامعة لندن أن أكثر من 80 في المئة من “المياه الأحفورية” تحت الصحراء السعودية — أي نحو 500 كيلومتر مكعب — قد استُنزفت بالفعل بحلول عام 2008.

هذه المياه، التي تراكمت قبل عشرات الآلاف من السنين، استُخرجت بضخٍّ مفرط خلال العقود الماضية لدعم مشروع طموح لتحقيق “الاكتفاء الغذائي” في الثمانينيات والتسعينيات، عندما قررت المملكة أن تحوّل الصحراء إلى سلال قمح وأبقار حلوب.

لكن كما تقول المجلة، “كان هذا الحل مؤقتًا بطبيعته؛ إذ اعتمد على مورد لا يتجدد”. اليوم، تتحول الأراضي الزراعية الشاسعة في صحراء النفود والربع الخالي إلى مساحات جرداء بعدما جفّت آبارها.

الزراعة في الصحراء معجزة هندسية أم جريمة بيئية؟

تظهر صور الأقمار الصناعية آلاف الدوائر الخضراء وسط الصحراء، كل منها مزرعة تستهلك ملايين اللترات من المياه يوميًا لريّ الأعلاف وتربية الأبقار.

يصف باحثو البيئة هذه المشاريع بأنها “معجزات هندسية قصيرة الأجل”، لكنها في الحقيقة “أحد أكبر عمليات الإبادة البيئية في التاريخ الحديث”.

فلكل لتر حليب يُنتَج في هذه المزارع، تُفقد عشرات اللترات من المياه الجوفية التي لن تعود أبدًا.

وبينما تتباهى المملكة بكونها “قوة زراعية” في قلب الصحراء، تتآكل مواردها المائية بوتيرة تهدد الحياة البشرية نفسها خلال العقود القادمة.

النفط يموّل العطش

تجلس السعودية فوق موردين ضخمين من السوائل: النفط والماء.الأول يُباع، والثاني يُستنزف لتمويل الأوهام.

النفط هو الذي موّل الحفر العميق، والطاقة اللازمة لضخ المياه من أعماق تتجاوز 1000 متر تحت الأرض.

النتيجة المفارقة: كل برميل نفط أُنتج ساهم في تجفيف لترٍ آخر من الماء.

ورغم أن عوائد النفط ما تزال تُبقي الاقتصاد السعودي واقفًا مؤقتًا، إلا أن المورد الثاني — الماء — يتراجع بوتيرة لا رجعة فيها.

بعد أن بدأت طبقات المياه الجوفية بالنضوب، تخلّت المملكة عن هدف “الاكتفاء الذاتي” في الغذاء، وبدأت تشتري الأراضي الزراعية في دول أخرى — من إثيوبيا إلى السودان والأرجنتين — لزراعة الأعلاف والقمح هناك ثم استيرادها.

تصف ناشونال جيوغرافيك هذه السياسة بأنها “هروب إلى الأمام”، إذ تُنقل المشكلة من أرضٍ إلى أخرى، وتخلق اعتمادًا جديدًا على الخارج بدل حل الأزمة من جذورها.

هذه التحولات تعكس فشل النموذج الاقتصادي القائم على إنفاق الثروة النفطية لتغطية سياسات تنموية غير مستدامة، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة أن تقود “الثورة الخضراء” وهي تفقد ماءها الأخير؟

بين الخطاب الأخضر والحقيقة الجافة

في المؤتمرات الدولية، تتحدث السعودية عن مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة، وتستضيف قمم المناخ وتطلق مبادرات التشجير.

لكن في الميدان، تُدار مشاريع “التحول الأخضر” نفسها فوق أراضٍ عطشى تُروى بالمياه الجوفية المستنزفة.

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يُظهر كيف أصبحت “الاستدامة” شعارًا دعائيًا أكثر منها سياسة واقعية.

النظام الذي يبني مدينة مستقبلية عائمة في نيوم بتمويل من النفط، هو نفسه الذي دمّر التوازن المائي في بلاده من أجل وعود زراعية لم تصمد عقدين.

مخاطر قادمة: أمن مائي على حافة الانهيار

وفق تقارير World Water Council، تواجه السعودية أحد أعلى مؤشرات “الإجهاد المائي” في العالم، مع استهلاك يفوق 900 % من معدلات التجدد الطبيعي للمياه.

إذا استمر الوضع بهذا الشكل، قد تضطر المملكة خلال جيل واحد إلى الاعتماد الكامل على تحلية المياه، وهي عملية باهظة التكلفة تعتمد على الطاقة الأحفورية وتزيد ملوحة الخليج.

بهذا، تتحول أزمة المياه إلى حلقة مفرغة:

تحلية مياه البحر تحتاج إلى نفط، والنفط يولّد الانبعاثات، والانبعاثات تغيّر المناخ، والتغير المناخي يفاقم الجفاف.

سياسة الإنكار: التنمية التي تبتلع نفسها

بدل الاعتراف بالمشكلة، تواصل الحكومة التوسع في مشاريع سياحية وزراعية جديدة ضمن “رؤية 2030”، تشمل منتجعات في مناطق صحراوية تحتاج إلى كميات هائلة من المياه للريّ والتبريد.

إنها تنمية تبتلع نفسها: تُهدر الموارد لتُثبت نجاح مشروعٍ يتباهى بالاستدامة.

كما يقول أحد الباحثين البريطانيين في التقرير:

 “ما يحدث في السعودية ليس مجرد استنزاف مائي؛ إنه نموذج لفشل التنمية حين تُدار من أعلى إلى أسفل دون حساب للبيئة.”

 العطش السياسي قبل العطش المائي

أزمة المياه في السعودية لم تعد بيئية فحسب، بل سياسية أيضًا.

هي مرآة لفلسفة الحكم التي تنفق المليارات على المشاريع العملاقة وتغفل أبسط مقومات البقاء.

فكما جفّت الآبار في باطن الأرض، جفّت معها الإرادة في مواجهة الحقيقة.

وفي النهاية، حين تنضب آخر قطرة من “الماء الأحفوري”، لن تنفع كل ناطحات نيوم ولا قصور الترفيه في إنقاذ مملكةٍ أنفقت نفطها لتشتري السراب.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية