في محاولة جديدة لتجديد مصادر النفوذ العالمي، تعلن السعودية اليوم عن انتقالها من تصدير النفط إلى تصدير “القدرة الحاسوبية” — المورد الجديد لعصر الذكاء الاصطناعي.
لكن خلف الدعاية التي تغزو القمم التقنية والمؤتمرات الاستثمارية، يطفو سؤال أساسي:
هل يمكن لمملكة تفتقر إلى الكفاءات التقنية أن تصبح “قوة عظمى رقمية”؟
تقرير نيويورك تايمز الأخير يرسم ملامح الإجابة: طموح بلا حدود، وواقع لا يرحم.
من النفط إلى الخوادم
لأجيالٍ، بنَت السعودية اقتصادها ومكانتها الجيوسياسية على موردٍ واحد: النفط. اليوم تحاول أن تبيع “الذكاء” كما باعت الطاقة، عبر مشاريع تُقدّر بمليارات الدولارات لتأسيس مراكز بيانات عملاقة في نيوم والرياض والظهران، وربطها بشركات التقنية الكبرى.
ولي العهد محمد بن سلمان يرى في الذكاء الاصطناعي “النفط الجديد” الذي سيمنح المملكة نفوذًا رقميًا يعادل نفوذها النفطي السابق.
الهدف المُعلن: أن تمتلك السعودية 6% من قدرة الحوسبة العالمية خلال العقد المقبل.
لكن كما يقول المحلل البارز في شركة سينرجي، جون دينسديل:
“لا يمكنك أن تقول إطلاقًا، ولكن لا يمكنني أن أتخيل أي ظروف من شأنها أن تمكن السعودية من تحقيق 6% من قدرة الحوسبة في العالم.”
المال وحده لا يصنع الذكاء
المشكلة ليست في التمويل — فالسعودية تملك المال الوفير — بل في نقص العقول.
تعاني المملكة من فجوة حادة في الكفاءات التقنية والهندسية، إذ لا تزال الجامعات المحلية عاجزة عن تخريج كوادر مؤهلة في علوم البيانات والتعلّم العميق. الأمر لا يقتصر على التأخر التقني، بل يمتد إلى غياب الإطار المؤسسي القادر على إدارة قطاع بهذه الحساسية. ففي حين تمتلك الدول الكبرى أنظمة متقدمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي والبيانات، تفتقر السعودية حتى الآن إلى قانون واضح للخصوصية أو الشفافية أو الاستخدام الأخلاقي للتقنيات.
طموح سياسي قبل أن يكون تقنيًا
يرى مراقبون أن مشروع الذكاء الاصطناعي في السعودية ليس مجرد خطة اقتصادية، بل رهان سياسي على النفوذ.
فبعد أن تراجع وزن المملكة في سوق النفط العالمية بسبب الطاقة المتجددة وتحوّل الأسواق الغربية بعيدًا عن الوقود الأحفوري، يحاول ابن سلمان إعادة إنتاج النفوذ ذاته في شكلٍ جديد:
نفوذ يعتمد على الخوادم والمعالجات بدل الآبار والمصافي.
يقول فيفيك شيلوكوري، الزميل البارز في مركز الأمن الأمريكي الجديد:
“قد يبدو هذا مجرد إنفاق جديد على آخر صيحة، لكن ذلك يقلل من حجم الطموح السعودي. لن يحققوا كل أهدافهم، لكن ربما يحققون أكثر مما يتوقعه منتقدوهم.”
لكن هذا “الطموح” ليس بلا ثمن: فالتجارب السابقة أثبتت أن الرغبة في تحقيق المجد السريع قادت المملكة إلى مشاريع ضخمة فاشلة، من نيوم إلى ذا لاين، حيث تبخرت المليارات في رمال السياسة قبل أن تكتمل الجدران.
فجوة معرفية ونزعة استعراضية
يقول أحد الخبراء الغربيين العاملين في مشروع “هيومين” السعودي للذكاء الاصطناعي — الذي يمول بنحو 10 مليارات دولار — لمجلة Intelligence Online:
“البيئة التقنية في السعودية غير مستقرة، والمشاريع القائمة تُهمل الكفاءات المحلية لصالح الخبرات الغربية المؤقتة.”
المفارقة أن معظم مراكز البيانات في السعودية تُبنى وتُدار بأيدٍ أجنبية، وغالبًا ما تتعطل المشاريع بمجرد مغادرة الشركات الاستشارية الدولية.
وهكذا، يتحول “التحول الرقمي” إلى استعراض دعائي أكثر منه مشروعًا إنتاجيًا، مثلما تحوّلت “رؤية 2030” إلى لوحة شعارات متناقضة.
يحذّر اقتصاديون من أن السعودية قد تكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبته في حقول النفط:
الاعتماد على الإنفاق لا الإنتاج، وعلى الشراء لا الابتكار.
فقد أعلنت الحكومة عن بناء مراكز بيانات بقيمة مليارات الدولارات دون وجود قاعدة تقنية داخلية لتشغيلها أو صيانتها.
بل إن بعض الخبراء يتوقعون “فائضًا عالميًا في قدرات الحوسبة”، ما يعني أن السعودية قد تنفق المليارات على منشآت رقمية لن تجد من يشتري خدماتها أو يستخدمها.
كما أن استهلاك الطاقة الهائل لتشغيل هذه المراكز — والتي تعتمد على الوقود الأحفوري ذاته الذي تسعى البلاد للتخلص منه — يجعل “التحول الأخضر الرقمي” تناقضًا بيئيًا صريحًا.
الذكاء المستورد لا يصنع نفوذًا
تراهن السعودية على الذكاء الاصطناعي لتكرار نفوذها النفطي، لكنها تغفل أن “الذكاء” لا يُشترى، بل يُبنى. فبينما تملك الشركات الغربية والخليجية الأخرى (كالإمارات) شبكات تطوير وخبرات محلية، تعتمد السعودية على “استيراد الكفاءات” من الخارج بعقود قصيرة الأجل، دون أن تستثمر في بناء منظومة معرفية محلية.
النتيجة المتوقعة:
شبكات حواسيب عملاقة دون محتوى علمي محلي، ومراكز بيانات باردة في صحراء حارّة، تُدار من مكاتب استشارية في لندن وسان فرانسيسكو.
سياسيًا، يريد ابن سلمان أن يجعل من الذكاء الاصطناعي أداة للتأثير الإقليمي والدولي، كما كان النفط في القرن العشرين.
لكنه يغفل أن الذكاء الاصطناعي لا يتداول بالبراميل، بل بالأفكار والبرمجيات والبحث العلمي.
وما لم تتحول السعودية من دولة “مستثمِرة في التقنية” إلى “منتجة للتقنية”، فإنها ستظل تشتري نفوذًا مؤقتًا لا أكثر.
من يملك العقول يملك المستقبل
الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا هندسيًا يُنفّذ بأموال النفط، بل مشروع حضاري يحتاج إلى بيئة فكرية، ومؤسسات مستقلة، وحرية بحثية. أما في نظامٍ يقمع حرية الرأي ويُخضع الجامعات للرقابة الأمنية، فلا يمكن أن يولد ذكاء حقيقي — لا طبيعي ولا اصطناعي.
وهكذا، بينما ترفع الرياض شعار “العقل الجديد”، تظل الحقيقة أن الذكاء المستورد من وادي السيليكون لن يعوّض عجز العقول المكبّلة داخل المملكة. فكما استنزفت السعودية ماءها لتزرع القمح في الصحراء، قد تستنزف نفطها اليوم لتزرع خوادم لا تفكر، ومشاريع لا تدوم.






