في ضربة جديدة لطموحات “رؤية 2030”، أعلنت اللجنة الأولمبية الدولية إلغاء اتفاقها مع الحكومة السعودية لاستضافة أولمبياد الرياضات الإلكترونية في الرياض، بعد عام واحد فقط من توقيع العقد الذي كان يفترض أن يمتد حتى عام 2036.
وكالة أسوشييتد برس وصفت القرار بأنه “انتكاسة غير مسبوقة” لمشروع كان يُفترض أن يكون واجهة الترفيه الرقمي السعودي، ورهانًا شخصيًا لولي العهد محمد بن سلمان، الذي تباهى مرارًا بتحويل المملكة إلى “عاصمة عالمية للألعاب الإلكترونية”.
مشروع المليار دولار ينهار قبل أن يبدأ
الاتفاق، الذي وُقّع في 2024 بتمويل حكومي ضخم تجاوز المليار دولار، كان يُفترض أن يجعل من الرياض مقرًا دائمًا للأولمبياد الرقمي حتى 2036.
لكن سرعان ما بدأت علامات الفشل تتضح: تأجيل مستمر للبطولات، انسحاب بعض الرعاة الدوليين، وخلافات تنظيمية بين اللجنة الأولمبية واتحاد الرياضات الإلكترونية السعودي، الذي يُدار فعليًا من قبل هيئة الترفيه وصندوق الاستثمارات العامة.
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها أسوشييتد برس، فإن اللجنة الأولمبية الدولية قررت إنهاء الاتفاق بسبب غياب الشفافية في التمويل والتدخل الحكومي المباشر في القرارات الفنية، ما يتعارض مع معايير الحوكمة الرياضية العالمية.
“رؤية الترفيه”.. نزيف بلا إنجاز
إلغاء الأولمبياد الإلكتروني ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة فشل المشاريع الترفيهية الممولة من الدولة.
فمن بطولة “الملوك الستة للتنس” التي قُدمت فيها جوائز تجاوزت 13 مليون دولار وسط مدرجات شبه خالية، إلى مهرجان الرياض للكوميديا الذي أثار فضائح أخلاقية وانتقادات حقوقية واسعة — تتكرر معادلة الإنفاق المفرط مقابل الحضور الضعيف والنتائج المعدومة.
ويشير محللون إلى أن هذه السياسة الترفيهية باتت تُرهق ميزانية الدولة، خصوصًا في ظل العجز المالي القياسي لعام 2025 الذي بلغ أكثر من 65 مليار دولار، ومع تراجع أسعار النفط وتقلص سيولة صندوق الاستثمارات العامة.
غياب الخبرة.. وحكم الولاء قبل الكفاءة
يرى مراقبون أن جذور الأزمة ليست في ضعف التمويل، بل في الهيمنة السياسية على كل مشروع، حيث تُدار القطاعات الرياضية والفنية بقرارات فوقية وولاءات شخصية.
يقول خبير الألعاب الفرنسي “مارك دوبون” لمجلة ليكيب:
“كان السعوديون يريدون أولمبيادًا عالميًا من دون فريق دولي محترف. كل شيء خاضع للتوجيه السياسي، لا للتخطيط المهني.”
وبينما تستثمر الدول المنافسة — مثل كوريا الجنوبية واليابان والإمارات — في تدريب الكفاءات وبناء البنية التحتية التقنية، تواصل السعودية الاعتماد على الشركات الاستشارية الأجنبية المؤقتة لإدارة مشاريعها، ما يجعلها تنهار بمجرد مغادرتهم.
من نيوم إلى الأولمبياد.. النمط ذاته يتكرر
إلغاء الاتفاق يعيد إلى الأذهان أزمة مشروع نيوم، حيث توقفت شركات إنشاءات كبرى عن العمل في “ذا لاين” بعد خمس سنوات من إطلاقه، بسبب جفاف السيولة وتراجع الجدوى الاقتصادية.
وكما حدث في نيوم، يتكرر السيناريو: مشاريع دعائية كبرى تُعلن بعناوين براقة ثم تتعثر بصمت.
الاختلاف الوحيد أن الإخفاق هذه المرة لم يُخفَ داخل المملكة، بل ظهر على الساحة العالمية عبر مؤسسة بحجم اللجنة الأولمبية الدولية.
إلغاء الحدث لا يمثل مجرد خسارة رياضية، بل صفعة استثمارية تهدد الثقة بالسوق السعودي، خصوصًا في القطاعات التكنولوجية والإبداعية التي تراهن عليها “رؤية 2030”.
فالمشروع كان يُفترض أن يجذب شركات الألعاب العالمية مثل Riot Games وEA Sports، لكن بعد الإلغاء، من المرجح أن تُعيد تلك الشركات تقييم المخاطر السياسية والبيروقراطية في العمل داخل السعودية.
كما يُتوقع أن تتأثر سمعة “الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية”، الذي كان يقدَّم كنموذج للتنظيم الحديث، بعد أن تحول إلى مؤسسة دعائية خاضعة للقرارات السيادية.
ردود الفعل الدولية: إحراج في العلن وصمت في الداخل
في حين تجاهلت الصحف السعودية الخبر تمامًا، وصفت نيويورك تايمز القرار بأنه “إشارة واضحة إلى أن المال لا يشتري الشرعية الرياضية”.
أما صحيفة فايننشال تايمز فاعتبرت الإلغاء “أول اختبار حقيقي لفكرة الترفيه كقوة ناعمة سعودية”، مشيرة إلى أن “اللجنة الأولمبية الدولية لم تعد قادرة على تجاهل القضايا الحقوقية والحوكمة الغامضة في الرياض”.
على وسائل التواصل، احتفى لاعبون وصحفيون من كوريا والولايات المتحدة بالقرار، معتبرين أنه “انتصار لمبدأ الشفافية في الرياضة”.
أما في الداخل السعودي، فغابت أي تغطية رسمية أو تعليق من الجهات المنظمة، بينما اكتفت هيئة الترفيه بإعادة نشر مقاطع قديمة لمهرجانات موسيقية على حساباتها لتخفيف حدة الجدل.
سقوط “إمبراطورية الترفيه المموّل”
مع تكرار الإخفاقات، يتضح أن سياسة الإنفاق غير المحدود لتحسين الصورة الخارجية لم تعد قادرة على إخفاء هشاشة الواقع الداخلي.
فـ”الترفيه” الذي قُدّم كرمز للانفتاح أصبح مرآة للفوضى الإدارية وغياب الرؤية الاقتصادية المتماسكة.
إلغاء أولمبياد الرياضات الإلكترونية لا يعني فقط نهاية مشروع رياضي، بل نهاية وهمٍ أكبر: أن المال وحده قادر على شراء النجاح، أو أن الجوائز الباذخة يمكنها أن تشتري الاحترام الدولي.
في النهاية، تتكلم المؤسسات الدولية بلغة واحدة لا تخضع للترهيب أو الإغراء: الحوكمة قبل الدعاية، والمصداقية قبل البهرجة.






