في أكتوبر 2018، أجرى ولي العهد السعودي مقابلة مطوّلة مع وكالة بلومبيرغ، قدّم خلالها جملة من الوعود الاقتصادية والسياسية التي صُوِّرت حينها على أنها ملامح “السعودية الجديدة”.
تحدث بثقة عن مستقبل “نيوم” و”أرامكو” وميزانية 2023 وحماية واشنطن، وقدّم نفسه كقائد يملك رؤية اقتصادية قادرة على تغيير وجه المملكة والمنطقة.
لكن بعد سبع سنوات، يقدّم عام 2025 صورة معاكسة تمامًا: أرقام تتراجع، مشاريع تتعثر، واقتصاد يعاني من عجز غير مسبوق.
“أرامكو”.. من “تريليوني دولار” إلى “محـرقة أموال”
في 2018 قال ولي العهد إن تقييم “أرامكو” سيتجاوز “تريليوني دولار”، وإنه “أقل من ذلك سيكون خطأ جسيمًا”.
اليوم، وبعد طرح الشركة في السوق وتراجع أسعارها لأدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، وصف خبراء غربيون هذا التقدير بأنه “خطيئة أصلية”؛ إذ حوّل الشركة إلى عبء مالي بدل أن تكون ركيزة تمويل للرؤية.
بلومبيرغ نقلت عن محللين أن “أرامكو أصبحت محـرقة أموال”، بعد أن فشل تقييمها المبالغ فيه في جذب المستثمرين، وأدى إلى خسائر فادحة في القيمة السوقية.
النتيجة: انهيار الثقة، وتراجع الأسهم بنسبة تفوق 30% عن مستويات الطرح الأولي، وسط غياب أي شفافية حول أرباح الشركة الحقيقية.
“الحماية الأمريكية”.. بين الوهم والواقع
في ذات المقابلة، رد ولي العهد على تصريح ترامب بأن “السعودية لن تبقى أسبوعين بدون حماية واشنطن” بقوله: “السعودية تحتاج إلى ألفَي عام لتواجه بعض المخاطر”.
لكن بعد أقل من عام، تعرّضت منشآت أرامكو لهجوم دمّر نصف إنتاجها النفطي خلال ساعات، وفقدت المملكة أكثر من 5% من الإمدادات العالمية.
الرد الأمريكي كان صامتًا، ما أجبر الرياض لاحقًا على طلب اتفاقية دفاع جديدة مع واشنطن، لتأمين حماية أمريكية في حال تعرضها لهجوم جديد.
المفارقة القاسية: الدولة التي كانت تفاخر بأنها “تحمي المنطقة” أصبحت تبحث عن من يحميها.
الموازنة بين الوعود والعجز
في 2018، وعد ولي العهد بتحقيق موازنة بلا عجز بحلول 2019، ثم أجّلها إلى 2023.
لكن الواقع في 2025 يكشف العكس تمامًا:
- السعودية سجلت عجزًا متواصلًا لـ12 ربعًا ماليًا متتاليًا.
- الربع الثالث من عام 2025 وحده شهد أعلى عجز خلال خمس سنوات بقيمة 88.5 مليار ريال.
- التقديرات الحكومية تشير إلى أن العجز السنوي سيبلغ نحو 245 مليار ريال — أي ضعف المتوقع قبل عامين.
في الوقت الذي يتراجع فيه الإنفاق على الصحة والتعليم، تستمر الحكومة في ضخ المليارات في مشاريع استعراضية مثل “الترفيه”، وسط تدهور الإيرادات النفطية وتقلص الاحتياطات المالية.
“نيوم”.. المدينة التي لم تُبنَ
قال ولي العهد عام 2018 إن مدينة نيوم ستكون مكتملة بحلول 2025، وإن أولى مدنها “نيوم ريفييرا” ستكون جاهزة في 2020.
لكن بعد سبع سنوات، يعترف نائب الرئيس التنفيذي للمشروع بأن “نيوم لن تكتمل قبل 2030”.
الموقع العملاق “ذا لاين” لم يتجاوز مرحلة الحفر، إذ بُني 1.5% فقط من المشروع، فيما تحولت جزيرة “سندالة” إلى منتجع تجريبي لم يُفتتح بعد رغم حفلات الترويج الباذخة.
أما المشروع الوحيد المكتمل في “نيوم” حتى الآن فهو قصور خاصة للعائلة الحاكمة على ساحل البحر الأحمر، ما حوّل المشروع من رمز المستقبل إلى رمز الفشل والتبديد.
“سابك”.. من “ضمان الاستقرار” إلى “خسائر المليارات”
في 2019 قال ولي العهد إن استحواذ “أرامكو” على “سابك” سيضمن عدم معاناة الشركة مستقبلاً.
لكن منذ منتصف 2022، تسجل “سابك” خسائر متراكمة تجاوزت 5 مليارات ريال في الربع الثاني فقط من 2025، مع انهيار سعر السهم بنسبة تفوق 50%.
المحللون يرون أن دمج “سابك” ضمن هيكل أرامكو جعلها رهينة سياسات الطاقة الحكومية بدل أن تكون شركة مستقلة قادرة على المنافسة.
أسعار النفط.. من “استقلال القرار” إلى خدمة واشنطن
في 2018، نفى ولي العهد أن تكون بلاده تعمل لتخفيض أسعار النفط لإرضاء واشنطن.
لكن مع عودة ترامب إلى الحكم عام 2025، أكد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن أن السعودية أغرقت السوق بالنفط الرخيص بهدف “مساعدة ترامب انتخابيًا عبر خفض أسعار الوقود الأمريكي”.
هكذا تحولت سياسة الطاقة التي كانت تُقدّم كأداة “سيادة وطنية” إلى ورقة ضغط تخدم الأجندة الأمريكية.
من “الرؤية” إلى “الوهم”
خلال سبع سنوات، تحولت تصريحات ولي العهد من شعارات ووعود ضخمة إلى أدلة دامغة على فشل نموذج الحكم القائم على البروباغندا بدل التخطيط.
الرؤية التي رُوّجت كخطة تنويع اقتصادي انتهت إلى اعتماد أكبر على النفط، ومشاريع ضخمة بلا عائد، وديون تتفاقم عامًا بعد عام.
أما على الصعيد السياسي، فبدلاً من بناء “السعودية القوية المستقلة”، أصبحت المملكة أكثر ارتهانًا للولايات المتحدة، وأكثر عزلة في محيطها العربي والإسلامي، بعد التطبيع غير المعلن والتقارب مع الكيان الإسرائيلي.
زمن الشعارات انتهى
من “نيوم التي ستكتمل في 2025”، و“أرامكو بقيمة تريليوني دولار”، و“ميزانية بلا عجز”، و“حماية ذاتية بلا واشنطن”، لم يتحقق أي وعد.
كل ما تحقق هو تراجع اقتصادي، وتآكل سياسي، وتوسع في الدعاية بدل التنمية.
وبينما يواصل الإعلام الرسمي الترويج لـ”النهضة القادمة”، تبدو الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
المملكة التي وُعدت بأن تكون “القوة الاقتصادية العظمى” أصبحت اليوم أقرب إلى نموذج دولة مُنهَكة، غارقة في الإنفاق، تبحث عن إنقاذٍ لا عن طموح.






