لم تمر سوى أيام قليلة على احتفاء وسائل الإعلام السعودية بما وصفته بـ “الإنجاز الاقتصادي الجديد” بعد ارتفاع ملكية المستثمرين الأجانب في سوق الأسهم بمقدار 2.17 مليار دولار، حتى جاءت الأنباء من وكالة بلومبيرغ لتنسف رواية الاستقرار تلك رأسًا على عقب.
فقد شهدت البورصة السعودية أكبر تراجع لها منذ أواخر سبتمبر، في موجة بيع جماعية هزّت مؤشرات السوق وأعادت إلى الأذهان هشاشة ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية التي تبشّر بها “رؤية 2030”.
انهيار الثقة رغم “الانفتاح المزعوم”
تقرير بلومبيرغ أشار بوضوح إلى أن الهبوط جاء بعد تصريحات هيئة السوق المالية، التي أكدت أن تطبيق الإصلاحات التي تتيح للمستثمرين الأجانب امتلاك حصص أغلبية في الشركات المحلية سيستغرق وقتًا أطول من المتوقع.
ما يعني عمليًا أن الخطوات التي تم الترويج لها منذ عامين باعتبارها “نقلة تاريخية في انفتاح السوق السعودي” لا تزال عالقة في بيروقراطية القرار، أو بالأحرى في حسابات السلطة السياسية.
لم تكن ردة الفعل مفاجئة للمحللين الماليين، إذ إن السوق الذي يعتمد على الثقة سرعان ما يعاقب التردد والغموض.
تراجعت أسهم البنوك بشكل حاد، وكانت مصارف الراجحي والإنماء والبلاد في صدارة الخاسرين، فيما انخفض سهم الراجحي إلى أدنى مستوى له خلال خمسة أسابيع.
وفي وقتٍ يفترض فيه أن يشكّل القطاع المصرفي قاعدة استقرار لأي سوق نامٍ، بات اليوم من أكثر القطاعات تقلبًا في المملكة، ما يعكس هشاشة البنية المالية والاعتماد المفرط على المضاربات قصيرة الأجل.
أموال “ساخنة” لا استثمار حقيقي
على الرغم من أن الحكومة روجت لزيادة تملك الأجانب باعتبارها “تصويتًا بالثقة على الاقتصاد السعودي”، فإن المتابعين للبيانات المالية يدركون أن هذه الزيادة ليست استثمارًا طويل الأمد، بل جزء من ما يُعرف بـ الأموال الساخنة — تدفقات مالية مؤقتة تبحث عن أرباح سريعة في الأسواق الناشئة، ثم تغادرها عند أول إشارة اضطراب.
هذه الأموال التي تندفع نحو السوق السعودي تستفيد من الدعم الحكومي المباشر والامتيازات الضريبية التي لا يحظى بها المستثمر المحلي، لكنها لا تسهم فعليًا في بناء قاعدة إنتاجية أو خلق وظائف مستدامة.
ومع أول بوادر القلق — كما حدث عقب تأجيل الإصلاحات — تبدأ موجات الخروج الجماعي، لتُظهر أن ما تم تسويقه بوصفه “ثقة عالمية” هو في الحقيقة رهان قصير المدى على سياسات متقلبة.
الرؤية الاقتصادية… وعود على الورق
تعكس هذه التطورات أحد أبرز ملامح الأزمة البنيوية في الاقتصاد السعودي خلال السنوات الأخيرة: اتساع الفجوة بين الدعاية والواقع.
فمنذ إطلاق “رؤية 2030”، يكرر المسؤولون الحديث عن تنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل المملكة إلى مركز مالي عالمي.
لكن الأرقام التي تصدر عن مؤسسات مالية محايدة — من بلومبيرغ إلى فايننشال تايمز — تروي قصة مختلفة تمامًا.
تقرير سابق لبلومبيرغ وصف البورصة السعودية بأنها “أضعف حلقة في منظومة الاقتصاد الخليجي”، مشيرًا إلى أن تراجع ثقة المستثمرين المحليين هو الخطر الحقيقي الذي تتجاهله الحكومة.
إذ إن المواطن السعودي الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول من “الرؤية”، يجد نفسه اليوم خارج اللعبة؛ فالمشاريع الكبرى مثل “نيوم” و”ذا لاين” تبتلع المليارات دون عائد مباشر، بينما تتراجع الخدمات العامة وتتصاعد الضرائب والرسوم.
اللافت أن ارتفاع ملكية الأجانب يأتي بالتوازي مع انسحاب متزايد للمستثمرين المحليين، وهو ما يكشف خللاً جوهريًا: فحين يفقد رأس المال الوطني الثقة، يصبح الاستقرار مرهونًا بالمزاج الدولي الذي لا يرحم الأخطاء السياسية ولا القرارات المفاجئة.
تناقض الرسائل الحكومية
تحاول الحكومة السعودية تبرير الاضطراب الحالي بعبارات مثل “تصحيح المسار” و”تأجيل مدروس للإصلاحات”، لكنها في الواقع تواجه أزمة مصداقية.
فالإصلاحات التي يُفترض أن تفتح السوق أمام الأجانب تُعلن في المؤتمرات الصحفية، ثم تُجمّد عند التطبيق.
والتسهيلات التي تُمنح للمستثمرين تُقابلها قيود غير معلنة، مثل تدخل الصندوق السيادي في توجيه الأسعار وشراء الأسهم عند الحاجة لدعم المؤشرات.
هذا التلاعب يخلق سوقًا “مصطنعة الاستقرار”، تبدو مزدهرة على الورق بينما تتآكل من الداخل.
وفي ظل عجزٍ مالي يتجاوز 245 مليار ريال هذا العام، وتراجع أسعار النفط عن المستويات التي بُنيت عليها الميزانية، تضطر الحكومة إلى ضخ أموال عامة في السوق المالي لإبقاء المؤشرات في المنطقة الخضراء، حتى لو جاء ذلك على حساب الخدمات والإنفاق الاجتماعي.
بين الدعاية والواقع: سوق يترنّح واقتصاد يتجمّل
ما يحدث في سوق الأسهم ليس مجرد تقلب مالي، بل انعكاس لأزمة ثقة أعمق.
فحين تعلن الدولة أن رؤوس الأموال الأجنبية “تتدفق بثقة” بينما تتهاوى الأسهم بعد أسبوع واحد، يصبح السؤال الأكبر: من يصدق من؟
الهبوط الأخير ليس عرضًا عابرًا في بورصة الرياض، بل إشارة إلى أن الاقتصاد السعودي يقف على حافة فقدان توازنه، بين دعاية رسمية تتحدث عن الانفتاح والازدهار، وواقعٍ مالي يزداد انكماشًا واضطرابًا. ورغم كل محاولات الحكومة لتزيين الصورة، يبدو أن السوق هو من يكتب الحقيقة بالأرقام لا بالشعارات.






