لا شيء يلخّص التحوّل الراهن في السعودية أكثر من هذا المشهد المركّب: هيئة ترفيه تُنفق بسخاء لاستيراد صيغٍ صاخبة من “المحتوى الغربي”، وبيئة قانونية/دعوية تُبقي قيماً معلَنة على الورق، ثم تُعلّقها عملياً عند بوابة المواسم. النتيجة ليست “انفتاحاً” بمفهومه المدني، بل هندسة ذوق عام من أعلى، يمرِّر تباينات حادة بين خطاب شرعي رسمي وقانون عقابي من جهة، وعروض وتسويق و”موضة” رياضية من جهة أخرى. ثلاث لقطات حديثة تكفي لتشريح هذا الانفصام: Power Slap في موسم الرياض، الاحتفاء بـهالوين متنكرٍ في موسم جدة، و”تنس السيدات” المُغلف بجلسات أزياء في مجتمع تحكمه مفاوضات مستمرة حول حضور المرأة.
صفعةٌ على الوجه وصفعةٌ للمنطق
Power Slap ليست رياضة؛ هي عرض أذى بدني مُقنّن يقوم على تسديد الصفعات للوجه وقياس “تحمّل” المتسابقين حتى حدود الإغماء. في بلدٍ تُقدَّم فيه المؤسسة الدينية باعتبارها الحارس القيمي للمجتمع، تصبح أسئلة الشرعية الأخلاقية مُلِحّة قبل التسويق: هل العنف للترفيه مباحٌ لأن منصة ترفيهية دفعت تكلفته؟ أين تضع هذه العروض مبدأ “لا ضرر ولا ضرار” الذي يتداوله خطاب المؤسسات ذاتها؟
لا حاجة لفتوى مُسقطة على المقاس؛ المسألة أبسط: النظام السعودي يفتح مساراً مالياً وإعلامياً لعروض تُشجع الأذى البدني العاري من أي قيمة رياضية، بينما يَسكُت الخطاب الرسمي عن شرح المعايير التي تسمح بذلك. هذا الصمت ليس حياداً؛ هو تطبيع للتشويه: حين يُرفَع الأدرينالين على المسرح، تُخفَّض حساسية المجتمع تجاه العنف بوصفه “متعة”، وتُستبدل التربية الجمالية على اللعب النبيل بعرض إيذاء مُربح.
اقتصادياً، هذه العروض لا تصنع صناعة. هي أحداث عالية الكلفة/سريعة الاستهلاك، تلتهم الميزانيات ولا تخلِّف منظومات تدريب محلية، ولا أندية قاعدية، ولا مسارات مواهب. إنها اقتصاد تذاكر وصخب، لا اقتصاد قيمة وريادة.
هالوين: تجريمٌ في القانون وترويجٌ في الموسم
المفارقة الأشد فجاجةً تطل من موسم جدة: عقوبات على “مظاهر هالوين” في سياق قانوني/أخلاقي معلَن، ثم بوابة مجانية “للمتنكرين” تزامناً مع الحدث ذاته، تحت مسمّى “هُوروركون”. هذا ليس مجرد تضارب إداري؛ إنه تقنينٌ للمعيار المزدوج: ما يُدان في الشارع يُكافأ عند الشباك إذا مرّ عبر منصة الدولة.
الرسالة الضمنية واضحة: القيمة ليست ما تقوله النصوص، بل ما تسمح به بطاقة الدخول. وهنا يبرز جوهر التحوّل: ليست القضية “محافظةً” تُراجَع أو “انفتاحاً” يُدار؛ القضية احتكار تعريف المباح تبعاً لمقتضى التسويق. من يخضع؟ المواطن والمؤسسة الدينية معاً، فكلاهما يضطر لإعادة تعريف موقفه عند كل إعلان ملصق.
سياسياً، هذا ينهك الثقة العامة: حين يرى الجمهور الدولة تعاقب سلوكاً ثم تستثمر فيه إذا بات منتجاً ترفيهياً، يتكرَّس الشعور بأن المنظومة لا تحكمها القيم، بل براغماتية الصورة.
تنس السيدات: صورٌ مُحكمة ومجتمعٌ موارب
نهائيات WTA في الرياض عُرضت بذكاء بصري: جلسات تصوير أزياء في الدرعية، حرية اختيار الملبس داخل الملعب وخارجه، لقطات سينمائية للاعبات كـ”سفيرات حداثة”. لكن خلف العدسة، تظهر الطبقات الحقيقية: مدرجات قليلة الحضور، تمثيل نسائي جماهيري ضعيف، وبيئة اجتماعية لا تزال تفاوض على مساحة المرأة في الحيز العام.
هذه الفجوة لا تُردَم بميزانية رعاية أو “سردية تمكين” جاهزة. ما لم تُبنَ بنية قاعدية لرياضة البنات (من المدارس إلى الأندية المحلية، من المدربات إلى المسابقات الوطنية)، وما لم تُرفع عوائق الوصول والمشاركة والتمثيل، ستبقى البطولة حدثاً مستورداً صورته أكبر من أثره.
إلى ذلك، تتبدّى مشكلة “التبييض الرياضي” بأوضح صورها: حدثٌ نسائي فخم في بلدٍ سجّل خلال السنوات نفسها ملاحقات واسعة لناشطات طالبنَ ببعض الحقوق. الرسالة الخارجية: “نموذج سعودي جديد يُكرِّم الرياضة النسائية”. الرسالة الداخلية: “المشهد مسموحٌ ما دام على منصتنا وبمفرداتنا”. ما بينهما، تسليعٌ للرمزية النسوية من دون حقوق مؤسِّسة مستدامة.
قاسمٌ مشترك: اقتصاد الصورة بدل اقتصاد القيمة
Power Slap، هالوين المُقنَّع، WTA المُصوَّرة ثلاثة أمثلة على سياسات تحويل التناقض إلى منتج. لا توحِّدها “الجرأة” بقدر ما يوحِّدها منطق:
1. الإنفاق أولاً: تدفقات مالية كبيرة لشراء حدث/رخصة/صورة.
2. الهيمنة السردية: ضبط الإطار الإعلامي كي يظهر التباين كـ“انفتاح”.
3. غياب الأثر المؤسسي: لا قواعد رياضية/ثقافية حقيقية، لا تمكين مجتمعي، لا اقتصاد مستدام.
هذا المنطق يراكم تكاليف سياسية أيضاً: كلما اتّسعت الفجوة بين الخطاب الشرعي/القانوني وبين مخرجات المواسم، ازداد تآكلُ المصداقية المؤسسية. وكلما تضاعفت الميزانيات على “الحدث”، ازدادت الأسئلة حول العائد المحلي في ظل عجز مالي مُعلن وتراجعات سعر نفط حقيقية بالقيمة الشرائية.
فواتير تتكاثر وقيمة لا تتراكم
الاقتصاد الترفيهي ليس خطيئة في ذاته؛ الخطأ حين يتحوّل إلى بديـلٍ قسري عن الاستثمار المنتج والتعليم والرياضة القاعدية والصناعات الإبداعية الأصيلة. الفارق بين صناعةٍ تُنتج بطولةً، وبطولةٍ تُعلن صناعةً، هو الفارق بين عائدٍ تراكمي وبين فاتورةٍ موسمية.
عند أول ضيق سيولة أو تصحيح سوقي (وقد حدث غير مرة مؤخراً)، تتوقف العجلة لأن القيمة لم تتجذّر: لا منظومة مواهب، لا أندية مجتمعية، لا قطاع خاص يتكفّل بالاستمرارية. يبقى كلّ شيء مربوطاً بأنبوب مالي رسمي، يُخنَق أو يُفتَح بقرار فوقي.
منصةٌ تُبدِّل الأقنعة ودولةٌ تؤجِّل الإجابات
المشهد الحالي لا يقدّم “إصلاحاً اجتماعياً” بقدر ما يقدّم ترتيبَ صور. تُستورد صيغُ ترفيه صدامية وتُعلَّب في قوالب لامعة، بينما تُترك الأسئلة الجوهرية بلا جواب: أيُّ ترفيه نريد؟ بأي معايير أخلاقية واجتماعية وقانونية واضحة؟ ما الأثر القاعدي على المجتمع، وعلى المرأة خصوصاً، خارج إطار كاميرا الحدث؟ وكيف تُقاس القيمة في اقتصادٍ يراهن على المواسم أكثر مما يراهن على الناس؟
من دون إجابات مؤسِّسة، ستبقى الصفعة صفعتين: واحدة على الخشبة، وأخرى على وجه المنطق العام.






