البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
من “المعجزة الهندسية” إلى المقبرة الرملية: كيف سقطت نيوم تحت ثقل وهمها

من “المعجزة الهندسية” إلى المقبرة الرملية: كيف سقطت نيوم تحت ثقل وهمها

نيوم
نيوم

قالت سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لمنظمة الديمقراطية للعالم العربي (DAWN)، في تعليقها على تقرير فايننشال تايمز:

 “مليارات مُهدرة. صفر مُحاسبة. بلدٌ يملؤه الخضوع، يخشى أن يُخبر إمبراطوره أن إملاءاته على نيوم لا معنى لها.”

كلماتها ليست رأيًا عابرًا، بل تلخيص مرّ لعقدٍ من الهوس الرسمي بمشروعٍ عملاق وُلد من الخيال وسقط في الواقع.

قبل عام فقط، ظهر محمد بن سلمان في وثائقي لقناة ديسكوفري واثقًا إلى حد التهوّر، يقول بابتسامة عريضة:

 “إنها فكرة قابلة للتنفيذ للغاية ستكون مشروعًا مُدرًّا للأموال ويلبّي حاجة السعودية.”

لكن ما لم يبلغه أحد في حينه أن “الفكرة القابلة للتنفيذ” كانت في طريقها لأن تصبح رمزًا دوليًا للفشل المكلف.

بعد مرور عامٍ على افتتاح جزيرة “سندالة” — أولى مشاريع نيوم التي قيل إنها ستجذب نخبة السياح — لم تطأها قدم سائح واحد، بعد أن غضب ولي العهد من “جلد تمساح نادر في الديكور” وقرّر الإطاحة برئيس المشروع نظمي النصر.

ثلاث صور تختصر المأساة:

مليارات تتبخر، خطاب دعائي مكرر، وصمتٌ شامل في بلدٍ يخاف أن يقول الحقيقة.

فايننشال تايمز تكشف الانهيار: “ذا لاين” بلا خط، ونيوم بلا نبض

تقرير فايننشال تايمز الأخير لم يكن مجرد تحليل اقتصادي؛ بل شهادة وفاة مبكرة لمشروعٍ قُدِّم كرمز للمستقبل.

الصحيفة أكدت أن “ذا لاين”، المدينة الخطية التي كان يُفترض أن تمتد لمئة ميل وتضم تسعة ملايين نسمة، لن تُبنى كما خُطط لها، وأن الأعمال في معظم قطاعات المشروع “إما متوقفة أو تعمل بوتيرة رمزية فقط”.

مسؤول سعودي نقلت عنه الصحيفة قوله إن “التمويل أصبح عبئًا”، وأن الأولويات تغيرت جذريًا مع اتساع عجز الموازنة وتراجع أسعار النفط.

المعنى الحقيقي بسيط: الحلم لم يكن مستدامًا ماليًا ولا واقعيًا هندسيًا — لكنه كان مفيدًا سياسيًا في تسويق “رؤية 2030” للخارج.

تلك الرؤية التي بدأت بشعار “نحو مستقبلٍ مزدهر” تحوّلت اليوم إلى منظومة إنفاق بلا محاسبة، تُدار بالعاطفة لا بالأرقام.

هندسة الوهم: حين يتحدث الحاكم يصمت المهندسون

منذ الإعلان عن نيوم عام 2017، صُمم المشروع كنسخة عربية من الخيال العلمي، تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والمناخ المثالي، والتكنولوجيا الفائقة.

لكن المهندسين الذين شاركوا فيه وصفوه لاحقًا بأنه “تجربة في إرضاء الأمير لا في بناء مدينة”.

مهندس بريطاني بارز نقلت عنه مجلة المعماريين قوله:

 “فترة الهوس السعودي بالمصممين البريطانيين انتهت… الأرباح في السعودية لا تختلف الآن عن أي مكان آخر، لكنك لا تستطيع قول ذلك لعميلٍ يظن أنه يبني معجزة.”

المشكلة ليست في التصميم، بل في غياب العقل النقدي داخل النظام. حين يُقدَّم كل قرار من الأعلى على أنه “إلهام عبقري”، لا يجرؤ أحد على الإشارة إلى استحالته التنفيذية أو تكلفته الباهظة.

هكذا تُبنى المدن في الدكتاتوريات: لا وفق المعايير الهندسية، بل وفق المزاج السياسي للحاكم.

سندالة جزيرة فارغة ورمز للفراغ

كانت جزيرة “سندالة” أول المشاريع المعلنة من نيوم، وُصفت بأنها “بوابة الرفاهية على البحر الأحمر”.

لكنها اليوم فارغة تمامًا، لم تستقبل سائحًا واحدًا منذ حفل الافتتاح الذي كلّف ملايين الدولارات وانتهى بإقالة كبار التنفيذيين.

السبب؟ “عيوب في التصميم وإنفاق مفرط”، حسبما نقلت التايمز.

أبرز مثال على هذا “الإنفاق المفرط” هو استخدام جلد تمساح نادر في ديكور أحد المباني، قرارٌ أثار غضب ابن سلمان شخصيًا.

لكن السؤال الجوهري ليس عن الجلد، بل عن البيئة التي تسمح بمثل هذا العبث دون رقابة.

حين يغيب التقييم الموضوعي، تتحول المشاريع إلى استعراضٍ للترف، والنتيجة النهائية: جزيرة خالية ومليارات مهدورة.

بين التجميل والخراب: كيف خُدعت الرؤية بنفسها

منذ البداية، بُنيت نيوم على وهم أن “المال يشتري المستحيل”.

لكن المال لم يشترِ سوى الولاء المؤقت للمستشارين الأجانب الذين تهافتوا على العقود، وكتبوا تقارير مليئة بالمصطلحات الرنانة عن “الاستدامة” و“التحول الحضري”، ثم غادروا بالربح السريع.

كما قالت سارة ليا ويتسون:

 “يجني المستشارون الغربيون الأرباح، بينما البلد يغرق في الخضوع والخوف من مصارحة الحاكم.”

لقد تحوّلت الرؤية من مشروع وطني إلى وسيلة لتغذية نرجسية الحاكم، ومن خطة تنمية إلى خدعة استثمارية تستهلك خزينة الدولة.

المشاريع المليارية التي أُطلقت تحت شعار “رؤية 2030” تُؤجل اليوم بصمتٍ أو تُجمّد بالكامل.

ولا أحد في الداخل يُحاسَب، لأن المساءلة نفسها أصبحت تهمة.

اقتصاد الرمال: من الثراء النفطي إلى الإنهاك المالي

الانهيار في نيوم ليس حدثًا معزولًا؛ بل جزء من أزمة أوسع يعيشها الاقتصاد السعودي.

فبعد أعوام من الإنفاق اللامحدود على مشاريع “التحول الوطني”، تواجه المملكة اليوم عجزًا قياسيًا في الموازنة يتجاوز 65 مليار دولار لعام 2025، بحسب بلومبيرغ والمونيتور.

الإنفاق الفاحش على البنية الترفيهية والرياضية — من موسم الرياض إلى بطولات التنس والملاكمة — لم يخلق وظائف حقيقية، ولم يجذب الاستثمار المستدام، بل استنزف السيولة وأربك السوق المحلي.

نيوم كانت “العنوان الأضخم” لهذه السياسة: ضخ مليارات من دون مردود، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العامة، وتُخفض فيه الميزانيات الصحية والتعليمية.

لا يمكن فهم فشل نيوم دون إدراك الخوف البنيوي داخل النظام السعودي. فلا صحافة مستقلة تستطيع التحقيق، ولا برلمان يراجع النفقات، ولا قضاء يحاسب. إنها منظومة مغلقة تُكافئ الولاء وتُعاقب الشك.

أما الغرب، الذي يرفع راية الشفافية، فهو شريك في هذا الفساد البنيوي. شركاته الاستشارية والهندسية هي التي صممت، وبنوكُه هي التي موّلت، وإعلامه هو الذي صمت ما دامت الأموال تتدفق.

كلهم يعرفون أن “ذا لاين” لن يكتمل، لكن لا أحد يرفض عقدًا مربحًا في مملكةٍ لا تعرف السؤال.

“ذا لاين” ليس فشلًا هندسيًا بل فضيحة سياسية

ما تكشفه فايننشال تايمز لم يعد عن مدينةٍ خيالية أو مشروعٍ متعثر، بل عن دولةٍ تُدار بمنطق الاستعراض لا التنمية.

نيوم ليست أزمة تخطيط، بل عرضٌ سريريٌّ لمرض الحكم الفردي حين يتضخم إلى درجةٍ تبتلع فيها الرؤيةُ الواقعَ.

لقد سقطت نيوم لأن أحدًا لم يجرؤ أن يقول لولي العهد الحقيقة: أن المدن لا تُبنى بالأوامر، ولا تُدار بالمخاوف، ولا تُنجز بالمديح.

مليارات أُهدرت. مستقبلٌ عُلّق على الرمال. وما تبقّى من “رؤية 2030” لا يتجاوز صورًا رقمية في العروض الترويجية.

أما في الميدان، فالحقيقة أوضح من كل الدعاية:

ذا لاين لم تكن خطًّا نحو المستقبل — بل خطأً فادحًا في الحسابات السياسية والإنسانية.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية