البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
 “المستقبل الذكي أم السجن الرقمي؟” — السعودية من وعود الابتكار إلى واقع المراقبة الشاملة

 “المستقبل الذكي أم السجن الرقمي؟” — السعودية من وعود الابتكار إلى واقع المراقبة الشاملة

في الوقت الذي تروّج فيه السعودية لنفسها كقوةٍ تكنولوجيةٍ صاعدة في الشرق الأوسط، تبرز حقيقة أكثر قسوة خلف هذا البريق الدعائي: دولة رقمية تُحكِم قبضتها عبر الكاميرا والبرمجية والذكاء الاصطناعي.
 ما يُسوّق على أنه “تحول رقمي” و”رؤية 2030″ ليس إلا تحولًا في أدوات السيطرة؛ من السجون الخرسانية إلى السجون الإلكترونية، ومن الرقيب البشري إلى المراقب الخوارزمي.

مدن ذكية بعقول أمنية

نيوم، القدية، والبحر الأحمر — ثلاثة أسماء براقة تُقدَّم كرموزٍ لحداثة سعودية ناشئة.  لكن خلف واجهاتها الهندسية يكمن نموذج مختلف: مدن تُدار بأنظمة مراقبة متكاملة، لا بفكرة “الذكاء” بل بفكرة “التحكم”.
 الكاميرات المزروعة في الطرق، أنظمة التعرف على الوجوه، تحليل البيانات السلوكية، تتجاوز مهام “إدارة المرور” لتصبح أدوات لرسم خريطة دقيقة لحياة كل مواطن.

يصف أحد المهندسين الذين عملوا في نيوم النظام قائلًا:

“كل خطوة في المشروع تُسجّل، وكل حركةٍ تُرصد، حتى اختيار طريقك إلى العمل يمكن أن يُستخدم لاحقًا لتقييم سلوكك.”

بهذا المعنى، المدينة الذكية ليست حاضرة المستقبل، بل مسرحًا مراقَبًا تُدار فيه الحياة كبيانات رقمية تحت عين الدولة.

التكنولوجيا التي تخدم القمع

تقارير دولية عدّة – من “منظمة العفو الدولية” و“سيتزن لاب” و“فورين بوليسي” – كشفت أن السعودية لم تكتفِ ببناء منظومة مراقبة داخلية، بل استوردت أخطر أدوات التجسس المعروفة: برنامج بيغاسوس الإسرائيلي.

هذا البرنامج، الذي يُمكنه اختراق أي هاتف دون علم صاحبه، حوّل الخصوصية في السعودية إلى خيالٍ تكنولوجي.
 الهواتف تُفتح دون إذن، الميكروفونات تُشغّل عن بُعد، الكاميرات تُراقب المستخدمين حتى في غرفهم الخاصة.
 وهكذا، بات التجسس جزءًا من “البنية التحتية” الأمنية، مدمجًا في الخطاب الرسمي حول “التحديث والابتكار”.

التعاون مع شركة NSO الإسرائيلية، المنتجة لبيغاسوس، لم يكن مجرد صفقة تقنية، بل تطبيع أمني تحت الطاولة.
 ففي حين ترفع الرياض شعارات “دعم القضية الفلسطينية”، فإنها تشتري من تل أبيب أدوات تُستخدم ضد مواطنيها.
 تلك مفارقة لا تشرحها الدبلوماسية بقدر ما تفضحها الوقائع.

من خاشقجي إلى المنفى الرقمي

بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، كشفت تحقيقات دولية أن برنامج بيغاسوس كان مزروعًا في هاتف خطيبته خديجة جنكيز قبل اغتياله بأسابيع، ما مكّن السلطات من مراقبة تحركاته واتصالاته بدقة.
 لاحقًا، تكررت الحوادث: اختراق هواتف معارضين سعوديين في أوروبا، وناشطين منفيين في بريطانيا وكندا، بينهم يحيى عسيري وغانم المصارير، الذين أثبتت المحاكم أن أجهزتهم استُهدفت ببرامج تجسس سعودية.

إنها دولة تطارد النقد حتى خارج حدودها، مستخدمة أدوات رقمية لا تقل خطورة عن سكاكين القنصلية.
 تُلاحق التغريدات كما كانت تلاحق الشعارات في الشوارع، وتُغلق المساحات الرقمية كما أغلقت المساجد الحرة والمنتديات الفكرية من قبل.

القمع الرقمي تحت شعار الإصلاح

بينما تتحدث الحكومة عن “تمكين المرأة” و”تحسين جودة الحياة”، كانت الناشطة لجين الهذلول واحدة من أوائل ضحايا هذا التجسس، إذ خضعت للمراقبة قبل اعتقالها وتعذيبها بسبب مطالبتها بحق قيادة السيارة.
 وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة احتفالاتها بالتقدم وحقوق المرأة وحرية التعبير، فيما أجهزة المخابرات تملأ السجون بضحايا تلك “الحرية”.

إن ما تصفه الرياض بأنه “تحول رقمي شامل” هو في جوهره إحكامٌ هندسي للرقابة السياسية والاجتماعية.
 فالتطبيقات الحكومية، من “توكلنا” إلى “أبشر”، تجمع بيانات الملايين: تحركاتهم، تعاملاتهم، وحتى عاداتهم الصحية.
 وما يُقدَّم على أنه “خدمة إلكترونية” يُستخدم لتوسيع نطاق الرصد الأمني وتضييق هامش الخصوصية إلى الصفر.

عندما تتحول البيانات إلى سلاح

في الدول الديمقراطية، البيانات هي وسيلة للتطوير والخدمة. في السعودية، البيانات هي أداة ضبطٍ وتحكم. فكل بطاقة هوية رقمية، وكل عملية دفع إلكترونية، وكل استخدامٍ لتطبيقٍ رسمي، يمكن أن يتحول إلى خيطٍ في شبكة مراقبة شاملة.

السلطة تعرف من يسافر، ومن يشتري، ومن يغرد، ومن يلتقي بمن. وحين تمتلك هذه المعلومات بلا رقابة قضائية أو تشريعٍ واضحٍ لحماية الخصوصية، يصبح المجتمع مكشوفًا بالكامل أمام الدولة.
 إنها بيئة لا يعيش فيها المواطن كفردٍ حر، بل كملفٍّ مفتوح في قاعدة بيانات تُدار من الأعلى.

الفضاء الرقمي السعودي: منبرٌ تحت المراقبة

اليوم، لا يحتاج المعارض إلى التظاهر في الشارع ليُعتقل. يكفي أن يُعيد تغريد جملة غير مرضي عنها.
 الفضاء الرقمي في السعودية تحوّل إلى ميدان خوفٍ متواصل، حيث الكلمة مراقبة قبل أن تُنشر، والحساب الشخصي يمكن أن يُستخدم دليلاً جنائيًا ضد صاحبه.

النشطاء في الخارج يبدّلون هواتفهم بشكل دوري، ويستخدمون تطبيقات مشفرة بقلق دائم، فيما يشعر من في الداخل أن كل محادثة هي احتمال تهمة.
 النتيجة: مجتمع صامت تقوده خوارزميات الدولة.

من وعود المستقبل إلى جدران السجن الإلكتروني

السعودية التي وعدت بعصرٍ من الانفتاح والابتكار، تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: نحو دولةٍ رقمية بلا حرية ولا خصوصية.
 الذكاء الاصطناعي فيها لا يخدم الإنسان، بل يُراقبه. التحول الرقمي لا يبني مؤسسات، بل يبني منظومة مراقبة تُحيل المواطن إلى “بياناتٍ أمنية” داخل ملفٍّ دائم المراقبة.
 وفي ظل غياب التشريعات والشفافية والمساءلة، يصبح “المستقبل الذكي” الذي تتحدث عنه الرياض مجرد اسمٍ جديدٍ للسجن الأكبر — سجنٌ يُغلَق بالبيانات لا بالجدران.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية