البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
حين يتحول جنون العظمة إلى خرائط هندسية: من مرسى راكد إلى قطار لا يعرف من يركبه

حين يتحول جنون العظمة إلى خرائط هندسية: من مرسى راكد إلى قطار لا يعرف من يركبه

حين يتحول جنون العظمة إلى خرائط هندسية: من مرسى راكد إلى قطار لا يعرف من يركبه
حين يتحول جنون العظمة إلى خرائط هندسية: من مرسى راكد إلى قطار لا يعرف من يركبه

حين قرر محمد بن سلمان أن يحفر في الصحراء مدينة بطول مئة ميل، لم يكن السؤال: “هل يمكن تنفيذها؟”، بل “من يجرؤ على القول إنها مستحيلة؟”.

اليوم، بعد خمس سنوات من التصفيق، ومليارات الدولارات التي تحولت إلى تراب، تأتي التفاصيل الدقيقة من داخل المشروع نفسه لتكشف حقيقة لا يريد أحد في الرياض قولها بصوت مرتفع:

ذا لاين لم تكن أبدًا مدينة المستقبل، بل مختبرًا لوهم الحاكم، حيث يُعاد تعريف المنطق والمعمار والاقتصاد بما يُرضي غرور السلطة.

ثلاثة فصول فقط من تقرير فايننشال تايمز تكفي لتلخيص القصة كاملة:

مرسى غير صالح للحياة، قطارٌ لا يعرف من سينقله، ومهندسون يخافون من إبلاغ الأمير أن “الحلم انتهى”.

المرسى الغارق في الصمت مياه راكدة ومليارات تائهة

في قلب الصحراء، أراد ولي العهد أن يُنشئ مرسى “سريًّا” يُعرف باسم Hidden Marina، حفرة ضخمة عميقة بما يكفي لرسو السفن السياحية العملاقة داخل مشروع ذا لاين.

فكرة شاعرية على الورق، لكنها في الواقع كابوس هندسي وصحي. فالموقع يفتقر إلى أي تيارات بحرية طبيعية، ما يعني أن المياه ستتحول إلى بركة راكدة ملوثة خلال أسابيع، ما لم تُركب مضخات عملاقة تعمل بلا توقف طوال العام.

أحد المهندسين وصف المرسى بأنه “غير ممكن عمليًا”، مضيفًا:

 “الحل الوحيد هو تشغيل نظام صناعي ضخم لتدوير المياه. لكن بالنظر إلى حجم الحفرة والمسافة عن الساحل، فإننا نتحدث عن عملية مستحيلة هندسيًا ومكلفة إلى حد العبث.”

إنها صناعة المشكلة قبل صناعة الحل.كل ما كان يمكن تجنبه بخطة واقعية تحوّل إلى كارثة مالية تتطلب صيانة أبدية.

هذا هو المنهج البنيوي في مشاريع ابن سلمان: لا تبدأ من الحاجة، بل من الرغبة الشخصية؛ ثم تُستدعى التكنولوجيا لتبرير الحلم، وتُستنزف الموارد لحل المشكلات التي خلقها الحاكم بنفسه.

وهكذا، أصبح “المرسى المخفي” رمزًا للعبث التقني في خدمة التباهي السياسي — مشروع باهظ، بلا جدوى، محكوم بالفشل منذ لحظة التصميم.

الصحراء التي ابتلعت 50 مليار دولار

في وثائقي قناة ديسكوفري عام 2023، قال محمد بن سلمان متحديًا:

 “يقولون عن مشاريعنا إنها مستحيلة. فليواصلوا قول ذلك، وسنواصل إثبات العكس.”

لكن العكس هو ما حدث.

بعد خمسين مليار دولار، لا شيء قائم في ذا لاين سوى خنادق محفورة وأعمدة أساسات متفرقة.

لم تُبنَ مدينة، ولم يتحقق استثمار أجنبي، ولم تصل أي دفعة جدية من التمويل الموعود من الخارج.

الواقع أن المشروع تآكل من الداخل.تضخّمت التكاليف إلى مستويات فلكية، وتراجعت الجداول الزمنية حتى لم يعد أحد يجرؤ على إعلان موعد للإنجاز، بينما اكتفى المسؤولون بعبارات فضفاضة من نوع “مشروع متعدد الأجيال”.

في لغة البيروقراطية السعودية، “متعدد الأجيال” تعني شيئًا واحدًا: لن يكتمل أبدًا.

المعماريون داخل المشروع أنفسهم باتوا يتهامسون بأن البناء الفعلي لما تخيله الأمير مستحيل.

أحد الموظفين السابقين قالها بوضوح صادم:

 “الجميع يعلم أن المشروع لن ينجح، والمسألة الآن هي فقط كيفية إبلاغ ابن سلمان بذلك بلطف.”

في أنظمة الاستبداد، الخطر ليس في الخطأ، بل في نطق الحقيقة. ولهذا، يستمر العمل الشكلي على بعض المواقع مثل “تروجينا” — منتجع التزلج الجبلي الذي يُفترض أن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029 — بينما تُدفن بقية المشاريع تحت الرمال في صمتٍ مطبق.

 قطار المطار رحلة فخمة إلى العدم

من بين أكثر تفاصيل تقرير فايننشال تايمز عبثًا، قصة “قطار المطار فائق السرعة”.

يقول أحد المخططين:

 “أخبر شخصٌ ما ابن سلمان في وقت مبكر أنه يمكنه إنشاء خط سكة حديد فائق السرعة من المطار إلى الساحل في 20 دقيقة… فأراد الأمير واحدًا.”

لم تكن هناك دراسة جدوى ولا احتياج فعلي، فقط رغبة ملكية تُنفّذ فورًا.

لكن سرعان ما اكتشف المهندسون أن المسار المقترح غير مناسب للركاب، لأن المسافة قصيرة جدًا، والقطار يحتاج خطًا طويلًا متصلًا ليكون فائق السرعة بحق.

رغم ذلك، لم يُسمح بمناقشة الاعتراض.

ولمزيد من العبث، اكتشف المصممون أن المحطة المقترحة لم تُصمَّم للركاب الذين يحملون أمتعة!

فقد تقرر أن تُرسل الحقائب عبر نظام منفصل قبل الرحلة بثماني ساعات، ليصل المسافر إلى وجهته بينما تسافر حقيبته في خطٍ آخر.

قال أحد المهندسين بدهشة:

 “سألتهم: متى يجب أن يترك المسافر حقيبته؟ فقالوا: قبل رحلته بثماني ساعات! مرة أخرى، كان هذا أحد الأوهام التي لم يُسمح بمناقشتها.”

وهكذا، تحوّل مشروع القطار إلى رمزٍ للجنون المؤسسي: قرارات غير قابلة للنقاش، تصاميم لا تخدم أي هدف، وإنفاق متواصل على مشاريع لا تُستخدم ولن تُشغّل.

من المرسى الراكد إلى القطار الوهمي: هندسة السلطة لا المدن

ما يجمع بين المرسى، والقطار، ومدينة ذا لاين نفسها هو غياب المحاسبة الكاملة.

كل قرار يُتخذ لإرضاء شخص واحد، وكل اعتراض يُعتبر “تشكيكًا في الرؤية”.

حين يُختزل الوطن في إرادة الحاكم، تصبح الأخطاء طبيعية ومقدسة في الوقت ذاته: لا يجوز تصحيحها ولا يُسمح بمناقشتها.

تُظهر التسريبات من داخل نيوم أن مهندسين كبارًا استقالوا بهدوء، بعد أن أدركوا أن المشروع لم يعد هندسيًا أو عمرانيًا، بل نظامًا مغلقًا من الطاعة والتمثيل.

لا أحد يسأل كم أُنفِق، ولا أحد يعرف كم تبقّى، لأن الشفافية في السعودية تُعد “تجاوزًا للولاء”.

ذا لاين جدار الصمت الذي بُني قبل الجدار الزجاجي

في النهاية، ليست أزمة ذا لاين في العمارة أو التمويل أو التكنولوجيا، بل في السلطة التي لا تسمع إلا صداها.

من المرسى الذي يختنق بمياهه، إلى القطار الذي لا يعرف من يركبه، إلى مدينةٍ تُحفر بلا سكان — كلها مظاهر لجنونٍ سياسي يعتقد أن الأموال قادرة على تحدي قوانين الفيزياء والعقل.

لقد كانت ذا لاين وعدًا بالحداثة، فتحولت إلى نصب تذكاري للغرور؛ مشروعٌ يُدار بالخوف ويُبرَّر بالأكاذيب ويُدفن بالسكوت.

ومثلما قال أحد موظفي نيوم السابقين:

 “الجميع يعلم أن المشروع لن ينجح… لكن لا أحد يجرؤ على أن يقول ذلك بصوتٍ مرتفع.”

وذلك هو الخط الحقيقي الوحيد في ذا لاين — خط الصمت، المرسوم بين الحقيقة والولاء.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية