البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
 نهضة وهمية على الحلبة: كيف تحوّلت الملاكمة في السعودية إلى نزيف مالي وصناعة ضجيج بلا جدوى؟

 نهضة وهمية على الحلبة: كيف تحوّلت الملاكمة في السعودية إلى نزيف مالي وصناعة ضجيج بلا جدوى؟

منذ أن بدأت السعودية في توجيه مليارات الريالات نحو الرياضات القتالية، ولا سيما رياضة الملاكمة، أصبح من الواضح أن هذه الاستثمارات لا تُبنى على رؤية اقتصادية حقيقية، بل على رغبة سياسية في خلق “ضجة” عالمية بأي ثمن.

 فالحدث الأبرز الذي كشف حقيقة هذا المسار لم يأتِ من محللين اقتصاديين ولا من معارضين سياسيين، بل من قلب الصناعة نفسها، حين عبّر أحد أكبر مروجي الملاكمة في العالم، إيدي هيرن، عن دهشته من حجم الأموال التي تضخها الرياض في هذا القطاع رغم أنه — بحسب قوله — “ماليًا لا يعمل أصلًا”. تصريحٌ كهذا صدر في مقابلة مع صحيفة ذا أثلتيك (المملوكة لصحيفة نيويورك تايمز)، جاء ليؤكد أن ما يحدث ليس استثمارًا، بل مغامرة محفوفة بالخسائر يموّلها صندوق الاستثمارات العامة من دون حسابات واضحة أو عوائد واقعية.

بدأت السعودية دخولها القوي لعالم الملاكمة عام 2019 عندما استضافت نزال أندي رويز وجوشوا، في صفقة أثارت كثيرًا من الجدل حول تكلفتها الحقيقية وما إذا كان الحدث قد حقق عائدًا اقتصاديًا يبرر الفاتورة الضخمة. وعلى مدار السنوات التالية، استمرت المملكة في استضافة نزالات أكبر، من بينها عروض ضخمة تحت مظلة “موسم الرياض”، وأخرى في الخارج تم تمويلها جزئيًا بالمال السعودي مثل عرض “Noche UFC” في لاس فيغاس. وبحسب تقارير منشورة في ESPN وBBC Sport، فإن الرياضيات القتالية باتت أحد أعمدة “القوة الناعمة” الجديدة التي تسعى المملكة إلى تصديرها، لكنها قوة ناعمة ممولة بالكامل من المال العام، بلا نماذج ربحية، وبلا تخطيط طويل الأمد.

رياضة بلا جمهور واستثمارات بلا منطق

على الرغم من الإنفاق الهائل على الملاكمة، ظل الحضور الجماهيري ضعيفًا بشكل فاق التوقعات. وبينما كانت الحكومة تعلن، عبر حسابات موسم الرياض الرسمية، أن الطلب “غير مسبوق” على التذاكر وأن الفعاليات “على وشك النفاد”، كانت اللقطات المتداولة داخل صالات الملاكمة تكشف مقاعد شاغرة في الصفوف الأمامية، وافتقارًا حقيقيًا للإقبال الشعبي. هذه الفجوة بين الدعاية والواقع ليست عرضًا جانبيًا، بل تعبيرًا مباشرًا عن حقيقة أن الاستثمار يتم من أعلى الهرم، وليس انطلاقًا من حاجة السوق أو رغبة المجتمع.

وتأتي تصريحات إيدي هيرن لتضع النقاط على الحروف. فقد قال بوضوح إن أي صندوق استثماري حقيقي “لن يجرؤ على دخول مجال الملاكمة بهذا الشكل، لأن الخسائر المتكررة ستدمر أي ميزانية”. لكنه أضاف جملة تُفسِّر كل شيء: “السعوديون مختلفون تمامًا… الخسائر لديهم مبررة بالضجة الإعلامية”. وهو اعتراف ضمني بأن المشروع لا يعتمد على منطق اقتصادي، بل على منطق سياسي: شراء البريق وليس بناء الصناعة.

هذا النمط يتكرر في معظم فعاليات الملاكمة التي تُقام داخل المملكة أو بدعم سعودي خارجها. فبحسب تحليل نشرته فايننشال تايمز في تقرير عن “اقتصاد الرياضات المستوردة”، فإن الرياض تدفع مبالغ تتجاوز 10 أضعاف ما تدفعه أي دولة أخرى لاستضافة فعاليات مشابهة، ومع ذلك لا تحقق العوائد التي تعوض حتى جزءًا بسيطًا من التكلفة. وبحسب الصحيفة، فإن الإنفاق السعودي في هذا المجال وصفه مسؤول بريطاني سابق بأنه “إنفاق بلا حساب” تموّله خزائن الدولة في وقت تواجه فيه البلاد عجزًا متزايدًا في الميزانية.

 من الرياض إلى لاس فيغاس: المال السعودي يموّل الرياضات الأمريكية

واحدة من المفارقات اللافتة التي كشفتها تقارير إعلامية في 2024 و2025 — ومنها تقارير ESPN وThe Independent — أن أموال موسم الرياض لا تُنفق داخل السعودية فقط، بل تموّل فعاليات تُقام في الخارج، مثل العروض التي تستضيفها UFC في الولايات المتحدة. في إحدى الحالات، ساهمت الأموال السعودية في تغطية تكاليف عرض UFC في لاس فيغاس، ما دفع معلقين رياضيين أمريكيين إلى القول إن “السعودية أصبحت الراعي الرسمي غير المعلن للرياضات القتالية في أمريكا”.

لكن هذه النتيجة لا تعكس قوة اقتصادية بقدر ما تكشف هشاشة التخطيط. فحين تصبح دولة مصدر تمويل لفعاليات أجنبية لا تعود عليها بالربح، فإن الصورة تشير إلى رغبة سياسية في شراء النفوذ، وليس بناء صناعة. وقد حذر خبراء رياضيون في مقابلات مع شبكة سكاي سبورت من أن هذا النمط غير قابل للاستمرار، وأن السؤال ليس ما إذا كانت السعودية ستتوقف، بل متى ستنفد قدرتها على تمويل هذا النزيف.

 الاقتصاد المحلي يدفع الثمن والرياضات المستوردة تبتلع الميزانية

بينما تُنفق الدولة مليارات على الملاكمة في الخارج والداخل، يعاني الاقتصاد السعودي من مجموعة من الأزمات المتفاقمة. فبحسب بيانات وزارة المالية المنشورة في 2025، تواجه البلاد عجزًا متزايدًا، بينما تُظهر مؤشرات الإسكان والتوظيف والقطاع الصحي ضغوطًا غير مسبوقة. وفي الوقت ذاته، تقلّص الدولة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية وتزيد الضرائب على المواطنين.

هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولة تعاني من عجز في الميزانية أن تواصل دفع مئات الملايين لفعاليات لا تحقق أي أرباح؟ تقرير رويترز المنشور في ديسمبر 2025 ذكر أن الميزانيات الرياضية غير الربحية تُعد أحد الأسباب غير المعلنة للضغوط المالية التي تواجهها الحكومة، خاصة في ظل تراجع أسعار النفط عن مستويات التعادل التي تعتمد عليها الدولة.

وبينما يحاول المسؤولون تقديم الملاكمة كأداة للانفتاح والنهضة الثقافية، تبدو الصورة في الواقع مختلفة: إنها “نهضة بلا اقتصاد”، ومشروعات تستنزف المال العام مقابل بريق إعلامي مؤقت، لا يشكل أي قيمة مستدامة.

حين تتحول الحلبة إلى حفرة والملاكمة إلى مشروع لحرق الأموال

الاستثمار السعودي في الملاكمة ليس قصة رياضة ولا قصة شغف جماهيري. إنه نموذج صارخ لكيف يمكن للمال العام أن يتحول إلى وقود لمشاريع بلا أساس اقتصادي، تُموَّل بدافع سياسي وتستمر رغم الخسائر المتراكمة. تصريحات إيدي هيرن ليست مجرد رأي، بل شهادة من قلب الصناعة تقول إن ما يجري اليوم لا يمكن لأي دولة أخرى تحمله. ومع غياب الشفافية والمحاسبة، تظل الملاكمة مثالًا جديدًا على مسار يتكرر في العديد من الملفات السعودية: صناعة ضجيج، لا صناعة مستقبل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية