جملة واحدة تكفي لتلخيص المشهد السياسي والاقتصادي الذي تعيشه المملكة تحت حكم محمد بن سلمان. تقرير نيويورك تايمز الذي كشف دخول مؤسسة ترامب في محادثات لإقامة مشروع يحمل اسم “ترامب” في الدرعية لا يفضح صفقة عقارية فحسب، بل يكشف عن مستوى غير مسبوق من التبعية السياسية واستيراد النفوذ الأجنبي في قلب ما يصفه النظام بـ“مهد الدولة السعودية الأولى”. المكان الذي يفترض أن يكون رمزًا للهوية التاريخية يتحول إلى منصة لتلميع عائلة سياسية أميركية تبحث عن النفوذ والمال، بينما يقدم النظام السعودي رمز بلاده على مذبح صفقة بلا مضمون تنموي حقيقي.
المثير ليس اسم ترامب وحده، بل استعداد النظام السعودي لإدخال هذا الاسم إلى أقدس مشاريع هويته الحديثة، في دليل جديد على أن الرياض لم تعد تتعامل مع رموزها باعتبارها ممتلكات وطنية، بل كسلعة تفاوضية يمكن استخدامها لشراء رضا سياسي أو نفوذ انتخابي أو علاقة شخصية مع رجل قد يعود إلى البيت الأبيض. في دولة تتشدق باستقلالها وسيادتها، يصبح السؤال ملحًا: ما الذي يدفع محمد بن سلمان إلى فتح الدرعية أمام مشروع يحمل اسم رئيس أميركي سابق؟ وما هي أفضلية هذا الاسم على مئات الشركات العالمية التي يمكن أن تبني مشروعًا اقتصاديًا لا يحمل ثقلًا سياسيًا فاسدًا؟
منذ اللحظة الأولى، يظهر واضحًا أن المشروع ليس اقتصادًا، بل سياسة. ليس استثمارًا، بل تبعية. ليس ترويجًا للسياحة، بل ترويجًا لورقة رهان يضعها النظام السعودي على طاولة واشنطن.
“استثمارات أم رشى سياسية؟ ماذا يريد بن سلمان من ترامب بالضبط؟”
تقرير نيويورك تايمز أشار إلى أن المحادثات بين مؤسسة ترامب والجانب السعودي تجري في أجواء تكشف ما وصفته الصحيفة بـ“مزيج السياسة بالمال” الذي يميز علاقة ترامب بالدول الخليجية. لكن في الحالة السعودية، يتخذ المشهد بعدًا أخطر. النظام السعودي لا يبحث عن مجرد مشروع عقاري؛ إنه يبحث عن تقاطع مصالح مع رجل له نفوذ سياسي خارق في الولايات المتحدة، سواء كان داخل البيت الأبيض أو خارجه.
محمد بن سلمان يعرف تمامًا أن ترامب — على خلاف الإدارات الأميركية الأخرى — مستعد لتسليع العلاقة مع الأنظمة الغنية، وتحويلها إلى مصدر دخل مباشر لعائلته. وهو يعرف أيضًا أن ترامب، خلال ولايته، منح النظام السعودي حماية سياسية غير مسبوقة:
غطّى على قتل جمال خاشقجي، ودعم حملة الريتز، وسوّق لقيادة بن سلمان رغم كل الانتهاكات،
وتغاضى عن حرب اليمن، ولم يمارس أي ضغط ديمقراطي أو حقوقي.
نظام بن سلمان يريد استمرار هذه البيئة السياسية. يريد جنوحًا أميركيًا نحو تجاهل ملفاته السوداء. يريد صفقات بلا رقابة. يريد أن يعيش عصر ترامب مجددًا — حتى لو كان ترامب خارج السلطة اليوم. ومن هنا تصبح الدرعية ورقة مساومة: مشروع عقاري يحمل اسم ترامب مقابل مواصلة الغطاء السياسي.
من زاوية أخرى، يعلم النظام السعودي أن ترامب قد يعود إلى البيت الأبيض، وأن وجود “مصلحة مشتركة” مسبقة معه سيضمن له طريقًا مفتوحًا نحو صفقات السلاح والدعم الدولي، حتى لو كان ذلك على حساب القوانين الأميركية المتعلقة بتضارب المصالح. بهذا يصبح المشروع المزمع في الدرعية ليس استثمارًا، بل دفعة مقدمة في حساب سياسي طويل الأمد.
“الدرعية: من رمز وطني إلى منصة لصفقات النفوذ الأجنبي”
الدرعية ليست أي مدينة. إنها حجر الأساس الذي يستخدمه النظام لصناعة شرعية تاريخية مفترضة، مجرد ذريعة رمزية تربط حكم آل سعود بتاريخ تمت إعادة صياغته مئات المرات. ومع ذلك، لم يتردد النظام السعودي في إدخال اسم ترامب إلى قلب هذا المشروع، في تناقض صارخ بين خطاب “الهوية الوطنية” والممارسات الفعلية.
النظام الذي يطالب السعوديين باحترام تراث الدرعية، ويقيم لها احتفالات ومهرجانات كأنها مصدر فخر قومي، هو نفسه الذي يفتح أبوابها لشركة عائلية أميركية ارتبط اسمها بالفضائح السياسية والمالية، وبضرب قواعد الحوكمة الأميركية نفسها. كيف يُعقل أن تتحول الدرعية — المشروع الذي ضُخّت فيه مليارات الميزانية العامة — إلى منصة ترويج لاسم سياسي أجنبي؟
السؤال الأعمق: هل بقي شيء داخل المملكة محميًا من أن يُحشر في سوق العلاقات الخارجية؟
الموسيقى، الرياضة، الترفيه، المصارعة، سباقات الفورمولا، الساحل، الجبال، الصحاري… كلها تحولت إلى مشاريع تُباع لاستيراد النفوذ السياسي أو الإعلامي. والآن، يصل النظام إلى أبعد نقطة: رمز الدولة نفسه يدخل الطاحونة.
هذا السلوك يكشف أن النظام السعودي عاجز عن إنتاج مشروع داخلي مستقل، فيستورد أسماء أجنبية ليغطي بها فراغه السياسي. الدرعية لا تحتاج ترامب. محمد بن سلمان هو الذي يحتاج ترامب.
“اقتصاد مأزوم ونظام يغرق أكثر في الاستعراض على حساب المواطن”
لماذا يلجأ النظام السعودي إلى مشاريع من هذا النوع في هذا التوقيت؟ لأن الاقتصاد السعودي يعيش مأزقًا عميقًا. الاستثمارات الأجنبية عند أدنى مستوياتها، بطالة الشباب مرتفعة، الإنفاق الحكومي يقفز بطريقة غير مستدامة، وصندوق الاستثمارات العامة غارق في مشاريع غير منتجة تأكل الميزانية ولا تضيف للاقتصاد سوى عبء جديد.
بموازاة ذلك، يعاني السعوديون من ارتفاع أسعار المعيشة، وتقلص الدعم، وضرائب غير مباشرة تثقل حياتهم اليومية. بينما تُضخ الأموال في صفقة جديدة مع مؤسسة ترامب — مؤسسة لا تضيف قيمة اقتصادية حقيقية للمملكة.
النظام السعودي في عهد بن سلمان يعتمد على نموذج اقتصادي يقوم على “الواجهة” لا “الجوهر”:
مهرجانات ضخمة، أسماء لامعة، مشاريع ترفيهية، علامات أجنبية، فخامة مبالغ فيها…
لكن خلف هذا الغلاف، اقتصاد غير متنوع، وقطاع خاص ضعيف، وديون تتصاعد، ونظام ضريبي غير عادل، وفجوة هائلة بين واقع المواطن والخطاب الرسمي.
بهذا يصبح مشروع ترامب في الدرعية ليس مجرد خلل في الأولويات، بل دليلًا إضافيًا على أن النظام السعودي غير قادر على بناء اقتصاد مستقل، فيلجأ إلى استيراد الرموز والدعاية بدل بناء التنمية.
“حين يتحوّل التراث إلى صفقة: مشروع ترامب في الدرعية ليس تنمية بل إعلان سقوط السيادة تحت حكم بن سلمان”
مشروع ترامب ليس خطرًا لأنه استثمار أجنبي، بل لأنه استثمار سياسي، يدخل في معادلة النفوذ الشخصي ويجرد الدرعية من رمزيتها لصالح صفقات عائلة سياسية أميركية. ما تكشفه نيويورك تايمز هو أن النظام السعودي لم يعد يفرّق بين الدولة والواجهة، بين التراث والبضاعة، بين السيادة والسوق.
محمد بن سلمان لا يبني دولة مستقلة، بل يبني منصّة لإرضاء من قد يمنحه الحماية في الخارج.
لا يطوّر اقتصادًا، بل يطوّر واجهة تلميع.
لا يحمي الهوية الوطنية، بل يعرضها للبيع.
ومهما حاول النظام تغليف المشروع بلغة “السياحة” و“النهضة العمرانية”، تبقى الحقيقة بلا تجميل:
الدرعية تُستغلّ سياسيًا… والصفقة تُكتب بحبر التبعية، لا التنمية.






