طائرات لا تأتي ودولة لا تجرؤ: كيف يرى الإسرائيليون ابن سلمان وهو يلهث خلف F-35 مقابل تطبيع بلا ثمن؟

طائرات لا تأتي ودولة لا تجرؤ: كيف يرى الإسرائيليون ابن سلمان وهو يلهث خلف F-35 مقابل تطبيع بلا ثمن؟

ليس ما كتبه أميت سيغال مجرّد تعليقٍ سياسي عابر على زيارة ابن سلمان للبيت الأبيض، ولا قراءة زائدة في حركة دبلوماسية عادية، بل هو انعكاس مباشر لما يدور في عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تلك المؤسسة التي — خلافًا للنظام السعودي — لا تُبنى قراراتها على الصور الاستعراضية ولا على لغة العلاقات العامة، بل على حسابات القوة الحقيقية، وعلى الهاجس الأبدي بالحفاظ على التفوّق العسكري النوعي الذي تُعتبر مقاتلات F-35 جزءًا مركزيًا منه.

في تل أبيب، لم ينتظر أحد انتهاء ابن سلمان من جولته أمام كاميرات البيت الأبيض كي يكتب تقريرًا أو يطلق تصريحًا؛ فقد كانت المذكرات الداخلية في الجيش الإسرائيلي قد رُفعت منذ أيام، تُحذّر من أي تقارب سعودي–أميركي على مستوى السلاح المتطور، وتؤكد أن منح الرياض طائرات من الجيل الخامس “قد يخلّ بتوازن القوة في الشرق الأوسط”، وهذا بحد ذاته يكفي كي يفهم المتابع أن الموضوع انتهى قبل أن يبدأ.

لكن أميت سيغال، بصراحته التي لا يجامل بها أحدًا، ذهب لما هو أبعد من ذلك. قال بوضوح إن السعودية تستطيع سماع ما تشاء من ترامب، لكنها لن تحصل على شيء لا توافق عليه المؤسسة الأمنية في إسرائيل. هذه الحقيقة يعرفها الخبراء في واشنطن جيدًا، لكن النظام السعودي يفضّل تجاهلها، والظهور بمظهر الشريك العسكري الذي يقف في مرتبة واحدة مع “الحليف الحميم” لإدارة ترامب. غير أن الحقيقة — كما يقول سيغال — أن الطريق نحو F-35 لا يمرّ عبر المكتب البيضاوي كما يظن ابن سلمان، بل يمرّ عبر تل أبيب… وتحديدًا عبر تقييم إسرائيل لمدى خطورة رؤية السعودية تطير بطائرة لا تملكها اليوم أي قوة عربية أخرى.

“الإمارات النموذج الذي يفضح الوهم السعودي”

وعندما يُذكر ملف الإمارات، يذكّر سيغال المتابعين بحقيقة يعرفها كل من عمل في قطاع الدفاع: أبوظبي — رغم التطبيع الكامل، والانضباط السياسي، والقنوات المؤسسية — ما تزال منذ خمس سنوات تنتظر إدخال F-35 إلى أسطولها. ورغم أنّ الإمارات حافظت على سلوك سياسي محسوب، وتجنّبت الارتباك، وقدّمت تعاونًا عميقًا مع واشنطن، إلا أنها لم تحصل على السلاح حتى الآن، لأنها رفضت شروطًا تُعدّ إهانة لسيادتها العسكرية، وعلى رأسها شرط “kill switch” الذي يسمح للولايات المتحدة بإيقاف الطائرة عن بُعد.

الإمارات قالت موقفها بلا تردد: إما طائرة كاملة أو لا طائرة.

وهذه الجملة وحدها تكفي لتقارن بين سلوك دولة تحترم نفسها، ودولة أخرى تُظهر استعدادًا لتقديم التطبيع السياسي المجاني دون أي ضمانة، وفي المقابل تتوقع — بسذاجة — أن تحصل على ما لم تحصل عليه دولة تمتلك سجلًا سياسيًا أكثر اتزانًا.

فإذا كانت الإمارات، بكل ثقلها الدبلوماسي ووعيها العسكري، لم تستطع اختراق الجدار الإسرائيلي–الأميركي، فكيف يتوقع ابن سلمان أنه — بزيارة استعراضية — سيُعيد رسم قواعد اللعبة الاستراتيجية التي تحكم الشرق الأوسط منذ عقود؟

الإجابة واضحة كما قال سيغال:
 لا يحصل عليها، بل يحصل على وعد مؤجّل، وربما مؤجّل إلى ما بعد الألفية القادمة.

“طائرات F-35 مقابل دولة فلسطينية؟ مسرحية يعرف الجميع نهايتها”

يضيف سيغال نقطة محورية تُناقَش اليوم في واشنطن وتل أبيب معًا: هل أصبح السلاح المتطور هو “الجائزة” التي يطمح إليها ابن سلمان مقابل التخلي عن أي التزام سياسي حقيقي تجاه الدولة الفلسطينية؟ وهل يقبل النظام السعودي استبدال مطلب تاريخي للعرب — على الأقل في الخطاب الرسمي — بوعد سلاح لا يأتي؟

السؤال الذي يُطرَح اليوم داخل كواليس مراكز التفكير هو:
 هل سيقبل السعوديون بصياغة مبهمة حول “مسار نحو دولة فلسطينية”، مقابل وعد أميركي مبهم آخر بتسليم F-35؟

الإجابة، كما يلمّح سيغال، هي:
 نعم. النظام السعودي مستعد لقبول أي جملة مطاطية، طالما كانت النتيجة صورة أمام الكاميرا، ووعدًا مكتوبًا لا يتجاوز الورق.

ومع ذلك، يشير سيغال إلى أن التطبيع السعودي لا يتحدد في البيت الأبيض، بل في تل أبيب، وأن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية تصبح فرص التطبيع شبه معدومة، لأن أي وعد بمسار سياسي تجاه الفلسطينيين — حتى لو كان مجرد خدعة لفظية — يصبح عبئًا على الحكومة الإسرائيلية.

هذا يعني ببساطة أن السعودية تنتظر على رصيف قطار لن يصل، وتطالب بتذكرة سفر لرحلة لا وجود لها.

“من يريد القوة لا يطلبها ومن يفقد السيادة لا يستحق المقاتلات”

القضية، كما يختتم سيغال، ليست عن طائرات، بل عن حدود الدور السعودي.
 إسرائيل — ومعها واشنطن — لا ترى النظام السعودي قوة قادرة على استخدام سلاح الجيل الخامس بشكل مسؤول، ولا قوة مستقرة سياسيًا بما يكفي لتسليمها تكنولوجيا حساسة. فالمملكة التي لا تزال تعيش على صراع مراكز نفوذ داخل الأسرة، وتطارد معارضيها في الخارج، وتفتقر إلى مؤسسات دفاعية راسخة، لا تُصنّف في واشنطن كمستلم محتمل لتكنولوجيا تُغيّر شكل القوة الجوية في المنطقة.

ابن سلمان يريد شراء السماء… لكنه لا يملك الأرض السياسية التي يقف عليها.
 يريد أن يقف في صف قادة الدول العظمى… بينما يخضع في كل ملف لخطوط حمراء يحددها غيره.
 يريد أن يظهر كقوة إقليمية… بينما يثبت كل يوم أنه تابع للعبة تُدار فوق رأسه.

ولهذا، ستظل F-35 بالنسبة للنظام السعودي “طائرة على الورق” — ثقيلة في الخطابات، خفيفة في الواقع،
 طائرة لا تطير إلا عندما تقول إسرائيل: الآن.
 وبما أن إسرائيل لا تقول ذلك، فإن كل ما يفعله ابن سلمان هو التسوّل السياسي بانتظار سراب جديد.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية