عشر سنوات من العرق والديون والمهانة: كيف حوّل النظام السعودي مشروع مترو الرياض إلى مصنعٍ للاستغلال البشري؟

عشر سنوات من العرق والديون والمهانة: كيف حوّل النظام السعودي مشروع مترو الرياض إلى مصنعٍ للاستغلال البشري؟

في الوقت الذي ينشغل فيه النظام السعودي بتسويق صورٍ لقطارات أنيقة ومحطات فاخرة تُعرض في المؤتمرات الدولية باعتبارها “إنجازًا حضاريًا”، تأتي منظمة العفو الدولية لتكشف الوجه الحقيقي للمشهد: خلف الخرسانة والزجاج والإنارة الحديثة، هناك عشر سنوات كاملة من الألم، وعقدٌ كامل من الاستغلال الممنهج الذي مورِس ضد آلاف العمال المهاجرين الذين جرى جلبهم من بنغلاديش والهند ونيبال تحت شعارات “التنمية”، بينما كانوا في الواقع ضحايا لأسوأ أشكال الانتهاكات المرتبطة بالعمل القسري، والأجور المنهوبة، والديون التي تبدأ حتى قبل مغادرتهم أوطانهم، والنظام الذي لم يحمِهم، بل شارك — بقوانينه ونظام الكفالة — في سحقهم.

تقرير العفو الدولية، لا يتحدث عن شذوذ أو أخطاء فردية أو شركة عابرة، بل يتحدث عن نمطٍ مستمرّ، ممنهج، ومتجذر، جرى فيه تجاهل حقوق هؤلاء العمال لصالح سباق سياسي وإعلامي يسعى إلى إظهار المملكة كدولة “عصرية”، بينما الحقيقة أن ما جرى في مترو الرياض ليس تطويرًا، بل إعادة إنتاج لعبودية جديدة بصيغة هندسية حديثة.

من دكا وكاتماندو إلى الرياض: الديون تبدأ قبل العمل والاستغلال يبدأ قبل الوصول

بحسب تقرير العفو الدولية، فإن الاستغلال يبدأ من اللحظة الأولى، من المدن الفقيرة التي خرج منها العمال الذين اضطروا إلى دفع ما بين 700 و3,500 دولار لوكلاء التوظيف في بلدانهم — رسوم تجنيد محظورة قانونيًا في السعودية، لكنها تمثّل بوابة الدخول الأساسية للعمل هناك.

في نيبال، تحدث عاملٌ عن اضطراره لبيع قطعة أرض ورثها عن والده لكي يدفع رسوم استقدامه، على أمل أن يجمع ما يكفي لسداد القرض بعد وصوله للرياض. وفي بنغلاديش، قال عامل آخر إنه اقترض من ثلاثة مصادر مختلفة بفوائد مرتفعة ليتمكن من السفر، بينما أكّد عامل هندي أن شركة التوظيف أخذت منه “رسوم” تمثل راتب أربعة أشهر كاملة قبل حتى أن يبدأ العمل.

هذه الديون تحوّل العمال إلى رهائن اقتصاديين، وتجعلهم مستعدين لقبول أي ظروف عمل، لأن العودة بلا مال تعني الكارثة. وهكذا يدخلون إلى السعودية مثقلين بأعباء مالية تجعلهم تحت رحمة أصحاب العمل منذ اليوم الأول، وتخلق علاقة قوة غير متوازنة تسمح بالاستغلال الممنهج دون مقاومة.

أجور مهينة وساعات عمل قاتلة: حياة العمال تُستهلك تحت الأرض وفوقها

الصدمة التالية التي يكشفها التقرير هي الأجور المتدنية التي تُدفع للعمال. فالكثيرون كانوا يتقاضون أقل من دولارين في الساعة، برواتب أساسية لا تتجاوز 1,400 ريال سعودي (373 دولارًا) — وهو أقل من نصف الحد الأدنى الفعلي لأجر المواطن السعودي في برنامج “نطاقات”، ما يجعل من التمييز في الأجور حقيقة صريحة لا تحتاج تفسيرًا.

بعض العمال قالوا إنهم اضطروا للعمل لأكثر من 60 ساعة أسبوعيًا فقط لتغطية تكاليف معيشتهم وإرسال جزء من المال إلى أسرهم. أحد العمال البنغاليين قال لمنظمة العفو:
 “لم نكن نعمل كنا نُستهلك.”

ثم تأتي معاناة أخرى: المناخ القاتل.
 درجة حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية لساعات طويلة، عملٌ في مواقع مفتوحة بلا حماية كافية، وحرّ يشبه الجحيم كما وصفه أحد العمّال النيباليين حرفيًا:
 “كنا نعمل في الجحيم؛ حرارة تضرب الرأس والصدر حتى تشعر أنك ستسقط في أي لحظة.”

ورغم خطورة المناخ، لم يحصل كثيرون على فترات راحة مناسبة، ولا ماء بارد، ولا معدات حماية، ما أدى إلى حالات إغماء متكررة، ونُقلت عدة حالات إلى المستشفيات، وبعض العمّال اختفوا عن مواقع العمل ولم يعرف زملاؤهم شيئًا عنهم بعد ذلك.

نظام الكفالة: القيد الذي يكسِر الظهر قبل أن يكسر القانون

تقرير العفو الدولية يشير إلى أن النظام السعودي رغم ادعاءاته “بإصلاح الكفالة”، ما يزال يُعطي صاحب العمل سلطة مطلقة على العامل:

  • يستطيع منعه من الانتقال إلى وظيفة أخرى
  • يمكنه الإبلاغ عنه كـ”هارب”
  • يمكنه إلغاء إقامته بشكل انتقامي
  • يمكنه حجز جوازه رغم أن القانون يجرّم ذلك
  • يمكنه منعه من السفر

أحد العمال قال للمنظمة إنه عمل عامًا كاملًا دون راتب لأن الكفيل “هدّده ببلاغ تغيب”، وهو بلاغ قادر على تحويل العامل إلى مطلوب أمني في دقائق، ما يفتح الباب أمام الاعتقال والترحيل القسري.

عامل آخر روى أنه تم نقله إلى سكن مكتظ، لا تتجاوز مساحته 25 مترًا مربعًا لثمانية أشخاص، وأن المشرف كان يهددهم بإبلاغ الشرطة إن حاول أحدهم تغيير العمل.

هذه الممارسات ليست حالات فردية، بل منظومة كاملة من العقاب الهيكلي الذي يسمح لأصحاب العمل بالتصرّف بالعمال كما يشاؤون، بينما الدولة تلتزم صمتًا طويلًا، يتكرر في كل قطاع استثماري كبير، من البناء إلى الخدمات.

 مترو الرياض اكتمل لكن كرامة الإنسان انهارت

مشروع مترو الرياض اكتمل في الصور الرسمية، لكن الناس الذين بنوه خرجوا منه محطمين، منهكين، ومدفونين تحت الديون. لم يكن المشروع “إنجازًا” كما تصفه الدعاية السعودية، بل كان على مدى عشر سنوات ورشة ضخمة للاستغلال الممنهج، وساحة عمل غير إنسانية تقف فيها الدولة دائمًا في صف صاحب العمل، بينما يُترك العمال بلا حماية، بلا صوت، بلا حقوق.

تقرير العفو الدولية يضع النظام السعودي أمام الحقيقة:
 نظام بن سلمان لا يستطيع بناء مشاريع “حديثة” بعقلية ما قبل الحداثة. ولا يمكنه التحدث عن التطوير بينما يدفن حقوق الإنسان تحت الإسمنت. ولا يمكنه الحديث عن المستقبل بينما يبني كل شيء على ظهر عمالٍ مسحوقين لا يملك أحد منهم الحق في الاعتراض أو المساومة أو حتى المغادرة.

في النهاية، يظل السؤال الأكبر:
 إذا كان هذا هو الوجه الحقيقي لأهم مشاريع البنية التحتية في المملكة فماذا يجري في المشاريع التي لا يراها العالم؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية