لم يعد سوق النفط العالمي يتعامل مع أوبك بلس بوصفها منظمة تُدير الإنتاج، بل بوصفها ماكينة خداع تمتلك قدرة مذهلة على قلب الحقائق وتزوير الأرقام وصياغة تقارير متناقضة تُشبه بيانات بورصة مزعومة أكثر منها مؤسسة دولية عريقة. خلف هذا الانهيار المتسارع في المصداقية تقف الرياض، اللاعب الأكثر حضورًا في هذه المنظومة، والتي لم تعد قادرة على تحديد إنتاجها الحقيقي أو فرض الانضباط على بقية الأعضاء، بل تورّطت هي نفسها في لعبة تضخيم الأرقام والتلاعب بالحصص وتقديم بيانات تبدو سياسية أكثر من كونها اقتصادية.
المفارقة أن السوق العالمي لم يشهد في تاريخه الحديث هذا القدر من الشكوك في مستويات الإنتاج المعلنة منذ أن تولّى النظام السعودي قيادة أوبك بلس كـ“زعيم فعلي” يقرر، يعلن، يهدد، ويُوقّع الاتفاقيات باسم الآخرين. غير أن هذا الدور المهيمن لم يأتِ معه انضباط أو شفافية، بل ممارسات زلزعت المصداقية من الداخل حتى صار مراقبو الطاقة حول العالم يواجهون سؤالًا واحدًا لا يجدون له إجابة: هل تنتج السعودية حقًا ما تعلن أنها تنتجه؟
المعلومات الصادرة من الأسواق وشركات تتبع ناقلات النفط ومنصات التجارة تشير إلى أن الأرقام المعلنة لا تتطابق مع الواقع، وأن السعودية — ومعها دول أخرى — تقدم تقديرات إنتاجية تتجاوز ما يمكن تبريره أو قياسه من حيث حركة الشحن ونسب التصدير. وهكذا، بدلًا من أن تكون المنظمة أداة لضبط السوق، أصبحت مصدرًا للفوضى.
الثغرات والتجاوزات: حين تتحول أوبك بلس إلى مجموعة تتهرب من حصصها بطرق مبتكرة
الخلل لم يأتِ فقط من التلاعب بالأرقام، بل من الطريقة التي تُقاس بها الحصص نفسها، إذ لا تعتمد أوبك بلس على حساب إجمالي إنتاج النفط الخام فحسب، بل تحذف بشكل غامض ومثير للريبة بقية السوائل النفطية — من المكثفات إلى سوائل الغاز الطبيعي — التي تشكل حصة كبيرة في إنتاج دول الخليج. هذا التجزئة المتعمدة تسمح للدول بتضخيم الإنتاج الحقيقي دون أن يبدو أنها تخرق السقف الممنوح لها رسميًا.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه الإمارات، رسميًا، أنها تضخ 3.3 مليون برميل يوميًا، كانت بيانات السوق الفعلية تشير إلى أن الإنتاج الحقيقي يتجاوز 4 ملايين برميل يوميًا، وهي فجوة لا يمكن تفسيرها إلا بوجود نظام احتساب يسمح للدول بالاختباء خلف مصطلحات فنية. أما السعودية فتبدو في وضع أكثر خطورة، إذ أظهرت التتبعات المستقلة أنها تضخ أكثر بكثير مما يظهر في بيانات المنظمة، وأن الضغط السياسي على مزوّدي البيانات جعل بعضهم يغير منهجيته لتجنب الاصطدام بالرياض.
ولم يتوقف الأمر عند التلاعب بالأرقام، بل امتد إلى ما سمته أوبك بلس “آلية التعويض”، التي صُممت أصلاً لمحاسبة الدول التي تتجاوز حصصها عبر إلزامها بخفض إضافي لاحقًا، لكنها تحولت بسرعة إلى مسرحية ساخرة: دولة تخالف الحصة، ثم تعلن أنها ستعوّض، ثم تخالف مرة أخرى، ثم تعد بتعويض جديد — وهكذا دواليك — دون أن يدفع أحد شيئًا فعليًا. أصبحت هذه الآلية، كما وصفتها بلومبيرغ، “تمرينا في الخداع الفني”، حيلة ورقية بلا أثر في السوق، بل أداة تسمح للدول بمراكمة الغش بدل الحد منه.
وما يزيد الطين بلة أن أوبك بلس نفسها تتوقع العام المقبل ارتفاع إنتاج أعضائها خارج الحصص بمقدار 200 ألف برميل يوميًا، ما يعني أن المنظمة فقدت السيطرة على قواعدها، وأن النية داخل بعض العواصم ليست الانضباط بل الاستفادة من الفوضى.
السعودية بين الانهيار النفطي وتراجع الهيمنة: القائد الذي فقد المطرقة
العام الماضي شهد ضخًا هائلًا من الدول الأعضاء تجاوز 40.9 مليون برميل يوميًا من النفط الخام فقط، وهو رقم يكشف إلى أي مدى تحولت أوبك بلس إلى كيان يسمح لأعضائه بالتحايل على السقف المعلن دون رقابة. والخطير أن الرياض — التي كانت تروّج لنفسها باعتبارها “ضامن استقرار السوق” — أصبحت الطرف الأكثر استخدامًا للتعتيم والمناورات، إلى حد وصف بلومبيرغ للمنظمة بأنها باتت تعاني من أزمة مصداقية.
ومن غير المستغرب أن دول أوبك التي استثمرت مليارات الدولارات في زيادة قدراتها الإنتاجية باتت تستغل هذه الثقوب الواسعة لتتجاوز حدودها دون خوف من العقاب. هذا السلوك الجماعي لم يكن ليحدث لو كانت السعودية قادرة على فرض الانضباط كما كانت تفعل في العقود الماضية، حين كان مجرد اتصال من وزير النفط السعودي كفيلًا بإجبار الدول الأخرى على الالتزام الصارم. لكن هذه الأيام انتهت، ومعها انتهت هيبة المملكة داخل المنظمة التي صنعتها بيدها.
الواقع اليوم مختلف تمامًا:
السعودية لم تعد تملك القوة المالية التي تؤهلها لفرض ما تريد، والسوق العالمي لم يعد يخاف تهديداتها بخفض الإنتاج. بل إن الأسواق تستعد الآن لانخفاض أسعار النفط إلى ما دون مستويات 2021، مع توقعات بأن خام برنت سينهي شهر نوفمبر عند 63.5 دولارًا للبرميل — وهو أدنى مستوى شهري منذ أربع سنوات. مثل هذه الأسعار تضرب قلب الميزانية السعودية التي تعتمد على سعر تعادل يتجاوز 90 دولارًا للبرميل، ما يجعل المملكة في حالة ضغط خانق يفسّر اضطرابها داخل أوبك بلس ومحاولتها المستميتة لإخفاء خساراتها خلف عناوين تقنية.
الوضع ازداد تعقيدًا حين اعترفت مؤشرات داخل المنظمة بأن حجم المشكلة تجاوز قدرة الأعضاء على إصلاحها، وأن أوبك بلس قد تضطر لاتخاذ إجراءات “حاسمة” في أي لحظة إذا تدهورت الأسعار أكثر، خاصة مع التوقعات بانخفاض جديد في 2026 إذا استمرت الحرب الأوكرانية في استنزاف الطلب العالمي.
“سوق بلا قائد ومنظمة بلا مصداقية: النهاية التي صنعها النظام السعودي بيده”
الصورة التي تُقدَّم للعالم عن أوبك بلس بوصفها تحالفًا نفطيًا منسجمًا يتحكم في السوق مجرد وهم فقد بريقه. الحقيقة أن المنظمة أصبحت، تحت القيادة السعودية، كيانًا متصدعًا، يقدّم أرقامًا مزورة، وينشر بيانات لا يصدقها أحد، ويناور بتعويضات ورقية لا معنى لها، بينما تنحدر مصداقيتها إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيس أوبك في الستينيات.
السعودية التي حاولت تقديم نفسها كقوة طاقة عظمى انتهت إلى قيادة منظمة فقدت السيطرة على أعضائها، وفقدت القدرة على التأثير في السوق، والأخطر: فقدت ثقة العالم. وما دام النظام السعودي عاجزًا عن إدارة النفط — الثروة الوحيدة التي قامت عليها الدولة — فكيف يمكنه إقناع أحد بأنه قادر على بناء “رؤية” أو “اقتصادًا متنوعًا” أو “دولة حديثة”؟
النفط كان ورقة القوة الوحيدة في يد المملكة. وحين تحوّل إلى مسرح للخداع سقطت الهيبة. وحين سقطت الهيبة انكشف النظام كما لم ينكشف من قبل.






