لم تعد أزمة الاقتصاد السعودي خبراً يمرّ على شاشات بلومبيرغ أو تلميحًا في مقالات فايننشال تايمز، بل تحولت إلى حقيقة ثقيلة تشبه الانهيار البطيء لهيكل عملاق مُتعَب. حين تخرج بلومبيرغ — مصدر المال العالمي الأول — لتعلن أن أرامكو تدرس بيع أصول رئيسية من محطات التصدير والتخزين وأجزاء من محفظتها العقارية في صفقة قد تتجاوز عشرة مليارات دولار، فهذا ليس “إعادة هيكلة”، وليس “تحسين كفاءة”، وليس “إدارة أصول”. هذا إعلان غير مباشر بأن آخر قلاع الدولة بدأت تتفكك من الداخل، وأن النظام السعودي يقترب من مرحلة يبيع فيها العظام بعد أن التهم اللحم كله.
تسريبات بلومبيرغ تكشف أن الشركة التي بُنيت عليها المملكة، والتي طالما قدّمها النظام بوصفها “أكبر شركة في العالم”، أصبحت اليوم مضطرة للتصرّف بمنطق دولة مفلسة تبحث عن سيولة عاجلة. الخسارة ليست مالية فقط، بل استراتيجية؛ فمن يبيع محطات التصدير يبيع القدرة على التحكم بالتدفق الأساسي للنفط، السلعة الوحيدة التي تشكل مصدر الدخل الحقيقي للدولة. ما يجري الآن ليس خطوة إدارية، بل استنزافٌ لأساس الدولة.
“حين تتحول أرامكو إلى خزنة فارغة: بيع الأصول ليس خطة اقتصادية بل إنذار دولة محاصرة”
المدهش في تقرير بلومبيرغ ليس فكرة البيع نفسها، بل طبيعة الأصول المعروضة. النظام لا يبيع عقارًا جانبيًا أو استثمارًا فائضًا، بل يبيع أصول التصدير، التخزين، البنية التحتية التي تضمن استمرار ضخ النفط. ماذا يعني هذا؟ يعني أن أزمة السيولة وصلت مرحلة لا يمكن تغطيتها بقروض، ولا بسندات في الأسواق العالمية، ولا بنقل أرباح أرامكو إلى صندوق الاستثمارات العامة. لقد تم استنزاف كل أدوات التمويل، ولم يتبقَّ سوى بيع القطع الأساسية من الاقتصاد.
الخبراء في لندن وواشنطن يسمون هذا الوضع: “بيع الفضة العائلية”.
وهو مصطلح يستخدم حين تضطر الدولة إلى تسييل أهم ممتلكاتها، لا لتعظيم أرباح، بل لسداد فجوات تتسع على مدار الساعة.
التساؤل الذي يطرحه المستثمرون اليوم ليس: لماذا تبيع السعودية أصولها؟ بل:
ماذا سيبقى عندما ينتهي النظام من بيع كل شيء؟
في ظل هذه المعادلة، لم يعد أحد يصدق رواية “الرؤية” التي بنيت على مشاريع تلتهم المليارات دون أي عائد. نيوم وحدها ابتلعت ما يكفي لبناء ثلاث دول، دون أن يرى العالم برجًا واحدًا مكتملًا. البحر الأحمر تعثر. ذا لاين تقلّص. وها هي أرامكو — مصدر التمويل الوحيد — تُستنزف حتى آخر قطرة.
“تركي آل الشيخ: الرجل الذي يحرق مليارات الدولة بينما أرامكو تبيع أعضائها قطعة بعد أخرى”
وبينما تعلن أرامكو عن بيع أصولها، يظهر تركي آل الشيخ في مشهد موازٍ أشبه بالسخرية السوداء. نيويورك تايمز نشرت قبل أيام تقريرًا مطولًا يكشف أن صندوق الاستثمارات العامة بدأ يخفّض التمويل المخصّص لفعاليات الملاكمة الضخمة التي يديرها آل الشيخ، وأن برامج الترفيه باتت تواجه ضغوطًا داخلية بسبب الأزمة المالية. لكن آل الشيخ خرج ليصرخ بأن التقرير “غير صحيح إطلاقًا”، وليعد الجمهور بصرفٍ أكبر و“مفاجآت” في 2026، وكأن خزائن الدولة بلا قاع، أو كأن بيع أصول أرامكو يجري في كوكب آخر.
هذه الازدواجية ليست صدفة، بل هي جوهر الأزمة:
الدولة تبيع أصول النفط لتغذي ماكينة ترفيه سياسي يديرها شخص يعتبر ميزانية الأمة ملكًا خاصًا، بينما لا تملك المؤسسات السيادية القدرة على قول “لا”.
الغسيل الرياضي الذي تورط فيه النظام لا يدرّ سنتًا واحدًا على الدولة. بطولات الملاكمة بالمليارات، استقدام النجوم، شراء حقوق البث، تأجير المدن الرياضية، عقود موسم الرياض… كلها مشاريع لا تُنتج شيئًا سوى توهّم القوة، بينما الاقتصاد الحقيقي يتشقق.
المخيف أن تركي آل الشيخ لا ينفي تراجع الإنفاق فحسب، بل يفاخر بالاستمرار وكأن الاقتصاد قادر على تحمل نزيف إضافي. هل طرح أحد سؤالًا بسيطًا:
من أين ستأتي الـ “مفاجآت” التي وعد بها آل الشيخ في 2026؟
من الميزانية المثقوبة؟ أم من أصول أرامكو الجديدة التي سيضطر النظام لبيعها؟
“اقتصاد يعيش على المسكنّات: بين بيع الأصول وشراء الأضواء… تضيع دولة كاملة”
حين تبيع الدولة أصول أرامكو وتعلن في الوقت ذاته عن رعاية بطولات الملاكمة العالمية، لا يكون الأمر مجرد تناقض، بل انفصال تام عن الواقع.
العالم يفهم أن بيع أصول حيوية يعني أزمة سيولة، لكن النظام السعودي يتصرف كأن الأمر حدثٌ عابر لا علاقة له بالنزيف المالي المستمر.
مشاكل الاقتصاد السعودي اليوم تتجاوز أزمة سيولة مؤقتة:
– العجز يتصاعد
– الدين الخارجي يقترب من ملامسة الاحتياطيات
– المشاريع العملاقة تتقلص
– العقار ينهار
– الاستثمارات الأجنبية تهرب
– صندوق الاستثمارات العامة غارق في التزاماته
– الاحتياطي الأجنبي يتآكل
– وسعر التعادل للنفط وصل إلى 100 دولار للبرميل
في اقتصاد يعتمد كليًا على النفط، هذا يعني شيئًا واحدًا: الخطر الوجودي.
ومع ذلك، بدلًا من إدارة الأزمة بشفافية، يواجهها النظام بالحفلات، بشراء البطولات، بالاستعراض، وبإعلانات “مفاجآت 2026”، وكأن الزمن بلا نهاية.
لقد أصبح الاقتصاد السعودي قائمًا على تسويق القوة بدل إنتاجها.
وما دامت القوة مجرد إعلان، يصبح بيع أصول أرامكو مجرد خطوة أخرى في طريق طويل من التفريط الذي لا يبدو أنه سيتوقف قريبًا.
—
الخاتمة — “دولة تبيع النفط… وتشتري الوهم: النهاية تكتب نفسها”
الخطر الحقيقي لا يكمن في بيع أصول أرامكو، بل في العقلية التي تدير هذه القرارات.
عقلية تعتبر الترفيه أهم من البنية الاقتصادية،
وتعتبر الدعاية أهم من الاستثمار،
وتعتبر شراء الصمت أهم من بناء مؤسسات،
وتعتبر الحفلات أهم من مشاريع البنية التحتية.
دولة لا تحمي ثروتها… لا تحمي مستقبلها.
ودولة تبيع شرايين اقتصادها لتموّل أوهام رجل واحد… تكتب نهايتها بيدها.
الاقتصاد لا ينهار فجأة، بل يسقط طبقة بعد طبقة — وما يجري الآن هو السقوط الأخير قبل الارتطام.
.






