“القمع الذي يبتلع الدولة: كيف يعترف ابن سلمان بديكتاتوريته بينما يواصل النظام اعتقال أصحاب الرأي بالجملة؟”

“القمع الذي يبتلع الدولة: كيف يعترف ابن سلمان بديكتاتوريته بينما يواصل النظام اعتقال أصحاب الرأي بالجملة؟”

تبدو السعودية اليوم في لحظة تكشف فيها السلطة عن نفسها دون قصد؛ لحظة يتقاطع فيها كلام الأكاديميين المقرّبين من ولي العهد مع حملات الاعتقال المتصاعدة، فيتبدى المشهد أكثر وضوحًا من أي وقت: نظام لا يحكم بالقانون، ولا يثق بالمجتمع، ولا يبني استقراره على المؤسسات، بل على الخوف وحده. وما قاله برنارد هيكل — الأكاديمي الأميركي من جامعة برينستون، وأحد أقرب الأصوات الفكرية إلى محمد بن سلمان — ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل وثيقة نادرة تكشف ما يدور داخل عقل الحاكم نفسه. حين يقول هيكل إن ابن سلمان يرى القمع “ضرورة لحفظ الاستقرار”، فإن ما يجري على الأرض يؤكد أن هذا “الاستقرار” ليس سوى غطاء لقمع غير مسبوق، تم تكريسه في السنوات الأخيرة حتى صار هوية الدولة لا استثناءها.

وفي اللحظة ذاتها التي يؤكد فيها هيكل أن ابن سلمان يبرر قمعه بأنه “يزلزل النظام بأكمله”، يواصل النظام اعتقال المواطنين بالجملة، مستخدمًا هيئة تنظيم الإعلام كغطاء قانوني لإسكات أي صوت ينتقد أو يعترض أو يرفض. الاعتقالات الأخيرة التي طالت ستة مواطنين — بينهم الإعلامي فهد الرويس، والمحامي سلطان المطوع، وصانع المحتوى فلاح المسردي — ليست حالة فردية بل جزء من ماكينة قمعية تعمل بلا توقف. الهيئة أصدرت بيانًا ادّعت فيه رصد “محتوى مخالف”، ثم استخدمته السلطات ذريعة لاعتقالهم وتحويلهم فورًا للنيابة العامة، وكأن التعبير عن الرأي تهمة، وكأن الدولة تخشى كلمة أكثر مما تخشى رصاصة.

“الجملة التي عرّت المستبد: حين يعترف النظام بأن القمع هو أداته الوحيدة”

حين ينقل برنارد هيكل — وهو ليس معارضًا ولا ناشطًا، بل أحد أكثر الأكاديميين قربًا من دوائر القرار السعودية — أن ابن سلمان يرى نفسه مضطرًا لاستخدام “قدر كبير من القمع” كي يحافظ على الاستقرار، فإن هذا الاعتراف أخطر من أي تقرير حقوقي. يقول هيكل بوضوح: لو سُئل ابن سلمان عن القمع لقال إنه “كان يُغير النظام بأكمله ويحتاج إلى القمع لمنع الانهيار”.

هذه الجملة ليست مجرد تفسير سياسي، بل “التوقيع الرسمي” لكل نظام استبدادي في التاريخ.

هي نفس الجملة التي قالها حكّام الانقلابات في أمريكا اللاتينية.

هي نفس اللغة التي استخدمها بشار الأسد وهو يبرر تدمير نصف بلده.

هي نفس رواية السيسي حين سحق المجتمع المدني.

وها هو ابن سلمان يستخدمها لتبرير اعتقال المثقفين، وإسكات الصحفيين، ومطاردة كل من يكتب رأيًا لا يروق للسلطة.

يقول هيكل إن هذا منطق “كل حاكم مستبد”.

والاعتقالات الأخيرة تثبت أن النظام السعودي لا يختلف في شيء، بل يسير على الخط نفسه: حكمٌ يُدار بالقوة، وبإخضاع المجتمع، لا بفتح المجال العام ولا ببناء مشاركة سياسية حقيقية.

القمع ليس “خطأً جانبيًا” في مشروع ولي العهد، بل جوهره.

ولذلك تتسع دائرة الضحايا يومًا بعد يوم، من الدعاة إلى الناشطات، من الأكاديميين إلى اليوتيوبرز، من موظفي الدولة إلى المحامين، بل وحتى من يؤيد بعض سياسات النظام لكنه ينتقد أخرى.

“اعتقالات بالجملة واتهامات مصممة لتكميم المجتمع لا لحماية القانون”

الاعتقالات الأخيرة تكشف جوهر الآلة الأمنية السعودية. هيئة تنظيم الإعلام أصدرت بيانًا زعمت فيه رصد “محتوى مخالف”، لكن جوهر الاتهام — كما هو واضح — لم يكن مخالفة قانونية، بل تعبيرًا عن رأي لا ينسجم مع الرواية الرسمية.

فهد الرويس، الإعلامي المعروف، اعتُقل دون توضيح حقيقي لجريمته.

السلطات لم تقل ما هو “المحتوى المخالف”، ولم تشرح سبب خطورته، ولم تقدم أي دليل.

السبب الحقيقي كما يتداول السعوديون هو أنه نشر محتوى لا يناسب السلطة. مجرد رأي يُصنّف جريمة.

المحامي سلطان المطوع، الذي طالما تحدث عن حقوق المواطنين والقضايا القانونية، وجد نفسه معتقلاً لأنه علّق على قضية تتعلق بالمقاطعة الاقتصادية وقال إنها “حق مشروع”. مجرد جملة أصبحت “تهديدًا للاستقرار”.

وصانع المحتوى فلاح المسردي، الذي نشر مقطعًا يعبّر فيه عن رأي بسيط — رأي لم يتضمن إساءة ولم يدعُ إلى عنف — وجد نفسه فجأة مطلوبًا للتحقيق.

الدولة لم تتحمل حتى تعليقًا ساخرًا.

هذه الاعتقالات ليست استثناء. هي استمرار لنمط أصبح معروفًا:

– كل رأي يشكك في قرارات الحكومة

– كل تعليق ينتقد أداء هيئة أو مسؤول

– كل ملاحظة حول الاقتصاد أو الأسعار أو الحقوق

– كل نقاش قانوني حول المقاطعة أو العدالة أو الفساد

كل هذا بات “جريمة”.

البيان الرسمي كان واضحًا في هدفه الحقيقي: ردع المجتمع بأكمله.

من الآن فصاعدًا، أي كلمة قد تفسّرها السلطة بأنها “لا تعجبها” ستتحول إلى قضية يواجه صاحبها السجن لسنوات.

هذا هو تعريف الدولة البوليسية.

“قمع يلتهم الداخل واعتراف فكري من الخارج: نظام يخشى المجتمع أكثر مما يخشى خصومه”

حين يقول ابن سلمان — وفقًا لهيكل — إنه كان “يغيّر النظام بأكمله”، فإن الحقيقة التي يكشفها الواقع مختلفة. التغيير الذي يتحدث عنه لم يكن بناء مؤسسات، ولا إشراك المجتمع، ولا خلق حياة سياسية، بل تفكيك ما تبقى من المجال العام.

التغييرات التي تمت منذ 2017 كانت كلها من نوع واحد:

– تدمير المجتمع المدني

– إسكات الأصوات الحرة

– إغلاق الفضاء الفكري

– اعتقال كل صاحب نفوذ شعبي

– تحويل الإعلام إلى جهاز دعاية

– محو أي إمكانية لمعارضة سلمية

– تجريم الحقوقيين

– سحق النقاش العام بالقوانين الغامضة

كل قرار يُتخذ وكل إصلاح يُعلن وكل هيئة تُنشىء — من وزارة الثقافة إلى هيئة الإعلام — يعمل باتجاه واحد: إخضاع المجتمع وإزالة أي قدرة على المعارضة.

وحين يعتقل النظام إعلاميين ومواطنين عاديين بتهمة “نشر محتوى مخالف”، فإن رسالة الدولة واضحة:

أدوات القمع تتوسع، والسلطة لا تخشى الخارج… إنها تخشى الداخل.

تخشى الرأي العام، تخشى الكلمة، تخشى النقد، تخشى الأسئلة البسيطة.

وهذا ما كشفه تقرير أكسيوس قبل أيام:

أن ابن سلمان قال لترامب إنه “لا يستطيع المضي في التطبيع لأن المجتمع السعودي معادٍ لإسرائيل بشدة”.

أي أن النظام يخشى شعبه أكثر مما يخشى العدو الخارجي.

القمع هنا ليس صدفة… بل سياسة.

“حين يحكم الخوف تسقط الشرعية”

ما يجري اليوم ليس حملة اعتقالات عابرة، بل مؤشر على مرحلة جديدة يدخلها النظام السعودي:

مرحلة يعتمد فيها على القمع وحده كأداة للحكم، ويعتبر فيها المجتمع خطرًا يجب السيطرة عليه، ويبرر فيها القمع بأنه “ضرورة للاستقرار” — كما قالها برنارد هيكل بوضوح قاتل.

دولة تعتقل مواطنيها لأنهم عبّروا عن رأي،

وتستخدم هيئة إعلام كغطاء لشرطة الرأي،

وتعاقب المحامي لأنه تحدث عن حق مشروع،

وتسجن الإعلامي لأنه لم يصفّق،

وتخشى المجتمع لأنها تعرف أنها فقدت شرعيته

دولة كهذه لا تبني استقرارًا ولا تصنع مستقبلًا. بل تؤسس لمرحلة واحدة:

مرحلة سقوط الشرعية حين يصبح الخوف هو الحاكم الفعلي للدولة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية