تكشف ميزانية السعودية لعام 2026 ملامح مرحلة مالية خطيرة لا تشبه أي شيء عرفته المملكة في عقودها الماضية، مرحلة يُدار فيها الاقتصاد كما تُدار حالة حرجة في غرفة طوارئ: نزيف مستمر، قرارات متسرعة، وتبريرات رسمية تُغطّي هشاشة البنية المالية. وحين يخرج وزير المالية ليعلن أن العجز القادم «مُصمَّم» ومقصود حتى 2028، يصبح المشهد أوضح من أي تفسير اقتصادي: النظام السعودي يتعامل مع العجز كأداة حكم، لا كخلل مالي، ويواصل دفع البلاد نحو دوامة إنفاق لا تستند إلى إنتاج، واقتراض لا يستند إلى تنمية، وبيع أصول لا يستند إلى إستراتيجية طويلة المدى. إنها سياسة تُشبه الضغط على جرح مفتوح بدلًا من إيقاف النزيف، سياسة تُدار على حافة الهاوية وتبدو خلالها كل خطوة كامتداد مباشر لاختيارات متهورة تُصنع على حساب مستقبل الدولة لا لصالحه.
العجز المتوقع البالغ 165 مليار ريال في 2026 ليس نتيجة صدمة في أسعار النفط فقط، ولا نتيجة لتقليص الإنتاج وارتفاع الإنفاق، بل جزء من مسار مالي يزداد انحدارًا: ديون تتضخم، مؤسسات تقترض، صندوق استثمارات يواجه نقصًا في السيولة، وشركة أرامكو نفسها تُجبر على بيع أصولها لتوفير المال. وهذا كله في نظام يؤكد إعلامه أنه يدخل “عصر ازدهار” بينما تظهر الأرقام أن البلاد تدخل مرحلة انكماش هيكلي طويل الأمد.
عجزٌ مُبرمج واقتراض لا يتوقف: حين تفقد الدولة قدرتها على تمويل نفسها
لم يكن غريبًا أن يظهر اسم البنك الوطني السعودي SNB في بلومبيرغ وهو يسعى للحصول على قرض جديد بقيمة مليار دولار. هذا البنك، أكبر مؤسسة مالية في المملكة، لم يكن في يوم من الأيام بحاجة إلى الانحناء أمام المصارف العالمية بحثًا عن تمويل. لكنه يفعل ذلك اليوم، وبوتيرة متسارعة، في إشارة واضحة إلى أن السيولة داخل النظام المالي تتآكل. الاقتراض لم يعد خيارًا بل أصبح نمطًا.
المملكة نفسها تقترض، وصندوق الاستثمارات يقترض، والبنوك تقترض، والشركات تقترض، وحتى الجهات الحكومية التي كانت تعتمد على الإنفاق المباشر تواجه اليوم نقصًا حادًا في التدفقات، فتتجه إلى الاقتراض لتمويل التزاماتها. هذا ليس اقتصاد دولة نفطية مزدهرة. هذا اقتصاد يبحث عن أوكسجين.
وحين تكشف مصادر سيمافور أن المستثمرين يترقبون إعلان ميزانية 2026 لمعرفة حجم «الاقتراض الجديد»، فهذا يعني أن السوق الدولي أصبح يتعامل مع السعودية كدولة تعتمد على الديون أكثر مما تعتمد على مواردها، وأن نموذج الإنفاق المفرط الذي تبناه محمد بن سلمان خلال سنوات “الرؤية” بدأ يصل إلى حدوده الطبيعية: لا توجد أموال كافية لتغطية الوعود.
ولذلك يصبح “العجز المقصود” مجرد شعار ناعم لعملية نزيف مالي لا يمكن السيطرة عليها، تُدار بالديون والوعود المؤجلة، وتُغطّى بشعارات “النمو والتحول” بينما الحقيقة تقول إن الدولة تضطر إلى الاقتراض لتمويل نفقاتها الأساسية.
أرامكو تبيع أثمن ما تملك: حين تضطر الشركة الوحيدة الرابحة إلى إنقاذ الدولة
تقرير بلومبيرغ الأخير حول دراسة أرامكو بيع أصول رئيسية ليس تفاصيل ثانوية، بل علامة طوارئ كبرى. الشركة التي لطالما قُدمت باعتبارها “الجوهرة” التي تعتمد عليها المملكة في قوتها الاقتصادية بدأت تدرس بيع أجزاء من عمليات التخزين والتصدير، بل وحتى من محفظتها العقارية، في عمليات قد تتجاوز 10 مليارات دولار.
وحين تضطر أرامكو إلى بيع أصولها الأساسية — تلك التي تمثل بنيتها الاستراتيجية — فهذا ليس “تنويعًا” ولا “تحسينًا للهيكلة”، بل نتيجة مباشرة لسياسة مالية دفع بها النظام السعودي نفسه نحو الزاوية. الصندوق السيادي محمّل بالالتزامات، الخزانة تعاني العجز، الديون تتضخم، والشركات الكبرى تبحث عن سيولة. فإلى من تلجأ الدولة؟ إلى أرامكو دائمًا أرامكو.
لكن بيع الأصول يختلف جذريًا عن طرح أسهم في السوق:
بيع الأصول هو تفكيك وليس استثمارًا. هو بيع المستقبل لا تمويل الحاضر.
وهذا يعني أن الشركة، التي بُنيت خلال 90 عامًا لتكون عمود الاقتصاد، تُستخدم الآن كخزنة نقدية عاجلة لسد فجوات صنعها النظام بنفسه.
هكذا تبدو الصورة:
أرامكو تموّل الحكومة، الحكومة تموّل المشاريع، المشاريع تبتلع المال، والصندوق يعاني نقصًا في السيولة، والبنوك تقترض، والخزانة تعلن عجزًا “مقصودًا” والدائرة لا تتوقف.
«وهم الإنفاق الاستثماري: ميزانية تتضخم واقتصاد يتقلص»
ما كشفته سيمافور عن «الأولويات» الجديدة للإنفاق ليس مجرد خبر اقتصادي، بل شهادة على أن النظام السعودي يورّط البلاد في نموذج إنفاق لا يعكس إنتاجًا ولا يعود بعوائد.
فالميزانية تتوسع، والعجز يتكرر، والدين يتصاعد، بينما الاقتصاد الحقيقي — الصناعة، التكنولوجيا، التعليم، الإنتاج المحلي — يقف مكانه أو يتراجع. هذه ليست تنمية.هذا تضخيمٌ للفاتورة دون أي مكاسب هيكلية.
ومع كل إعلان رسمي عن “الإنفاق التحولي”، تخرج الحقائق من وكالات مثل رويترز وبلومبيرغ لتقول شيئًا آخر: المشاريع الكبرى لا تولّد أرباحًا، الصندوق السيادي يلهث خلف قروض لإعادة هيكلة استثمارات فاشلة، والاقتصاد السعودي يتحول من مستفيد صافٍ من النفط إلى مقترض صافٍ من الأسواق العالمية.
والدولة التي تقترض اليوم لتسد عجزها، ستقترض غدًا لتسد ديون اليوم. هذا هو الطريق المالي الذي لا عودة منه. طريق الانحدار، لا طريق الرؤية.
«العجز المُصمَّم اقتصاد يُقاد إلى الهاوية»
الوضع المالي للمملكة عام 2026 لا يعكس “إدارة حصيفة للموارد”، بل يكشف زلزالًا اقتصاديًا هادئًا تتجاهله الحكومة بوعي. فالعجز الذي يقول عنه الوزير إنه «مُصمَّم»، ليس سوى اسم مهذب لسياسات إنفاق غير قابلة للاستدامة، واقتراض متواصل، وبيع أصول استراتيجية، واستنزاف لصندوق استثماري أصبح عاجزًا عن تمويل نفسه. وكلما ازداد الهروب للأمام، اقتربت لحظة الاصطدام. وكلما زاد الإنفاق الدعائي، ازدادت الفجوة بين ما يُقال وما يحدث فعلًا.
العجز “المقصود” ليس سياسة. العجز المقصود علامة انهيار.






