تتسابق نجمات هوليوود للوصول إلى جدة، لا لأن المملكة أصبحت مركزًا عالميًا للفن، ولا لأنها تقدّم أي صناعة سينمائية حقيقية، بل لأن النظام السعودي يريد — بأي ثمن — إعادة صياغة صورته عبر مشاهد مصطنعة من الانبهار، حتى لو تعارضت تلك المشاهد مع القيم الدينية والاجتماعية التي كان يتشدّق بحمايتها طويلًا. وبينما تُغلق الصحف الغربية على مقالات الانتقاد السياسي، يُفتح البساط الأحمر في البحر الأحمر لاستقبال ممثلات يرتدين فساتين شبه عارية، في تجاهل كامل لمذكرات “هيئة الإعلام” التي تصدر قرارات لا يلتزم بها أحد، لأنها ليست موجهة لضيوف النظام بل لرعايا الداخل فقط. هكذا أصبحت جدة، بفضل سياسات ابن سلمان، منصة لابتذال مُستورد، يضخ النظام عبره صورة جديدة يريد فرضها ولو قسرًا، ولو على حساب ما تبقى من قيم مجتمع يحاول النظام نفسه إقناعه بأن الانحلال هو “الإصلاح”.
«البحر الأحمر… حين يتحوّل المهرجان إلى عرض للأجساد بدلًا من صناعة السينما»
تسأل الصحف العالمية عن معنى مهرجان يُفترض أنه “ثقافي”، بينما أكثر لحظاته تداولًا في الإعلام كانت صورًا لداكوتا جونسون بفساتين شفافة تكشف أكثر مما تستر، وصورًا لممثلات يسرن على السجادة الحمراء بملابس لم تفلح حتى المهرجانات الغربية في تمريرها دون انتقاد. موقع Harper’s Bazaar لم يتحدث عن أفلام معروضة، ولا عن إنتاج سعودي، ولا عن مواهب محلية، بل ركز على “صيحات الفساتين العارية” التي ارتدتها الممثلات ضمن فعاليات المهرجان. هذا وحده كافٍ لشرح ما يجري: النظام لا يريد صناعة ثقافية، بل يريد استعراضًا بصريًا يُغطي على فشله السياسي والاقتصادي، ويريد استيراد رموز الانحلال لتقديمها كـ«حداثة»، بينما لا يستطيع إنتاج فيلم واحد يعكس قصة حقيقية عن حياة السعوديين أو واقعهم وفي الوقت الذي يُستدعى فيه نجوم هوليوود، تُقمع الأصوات المحلية التي تحاول إنتاج محتوى مستقل، وتُسجن الشابات والكتاب لأسباب لا تقارن بجرأة ما تعرضه الدولة نفسها عبر مهرجاناتها. إنها ازدواجية ليست جديدة على النظام، لكنها اليوم أكثر فجاجة من أي وقت مضى: الداخل يُضبط ويُعاقب، والغرب يُستورد بلا حدود.
«إصلاحات أم استيراد للابتذال؟ حين يستخدم النظام الترفيه لتمرير أجندته السياسية»
الملفت ليس ظهور ممثلات شبه عاريات في جدة فقط — بل أن ذلك يجري تحت رعاية وزارة الثقافة نفسها التي يفترض أنها الحارس الأول للهوية والقيم المحلية. هذا يعني أن ما يحدث ليس تجاوزًا فرديًا ولا خطأ تنظيميًا، بل جزء من سياسة واعية: دمج الانفتاح الصاخب مع تفكيك البنية الاجتماعية، لصناعة “مجتمع جديد” يُعاد تشكيله من أعلى، عبر فرض نمط ثقافي غريب على بيئة لم تُستشر يومًا في مستقبلها أو هويتها ثمّة هدف سياسي مباشر: تحويل الأنظار عن القمع الداخلي، وشراء تعاطف الغرب عبر استعراض “تحرير المرأة” و”التسامح” و”الفن”، بينما الحقيقة أن النساء السعوديات يُسجَنّ لتغريدة، وأن الناشطين يُعتقلون لعشر سنوات، وأن المجتمع لا يُمنح أي مساحة لتحديد شكل حياته. أي “تحرر” هذا الذي يبدأ بتجريم الرأي وينتهي بالترحيب بالتعرّي المستورد على سجادة حمراء؟ إنه تحرير موجّه، لا يخدم المجتمع بل يخدم صورة الحاكم أما المثير للسخرية فهو أن “هيئة تنظيم الإعلام” أصدرت قبل أيام مذكرة تمنع “الملابس المبتذلة” — مذكرة لم يلتفت إليها أحد من ضيوف المهرجان، لأن النظام نفسه لم يجرؤ على تطبيقها عليهم. إنها قوانين للداخل فقط، أما الخارج فمُعفى من كل معايير الدولة وقيمها، طالما يخدم الصورة التي يريد ابن سلمان بيعها.
« ترفيه على جثة مجتمع: حين يتحوّل الانحلال إلى سياسة دولة»
لم يعد مهرجان البحر الأحمر مهرجانًا سينمائيًا، بل بات منصة سياسية تُستخدم لفرض “هوية جديدة” لا تشبه المجتمع ولا تُمثله، هوية صنعتها مكاتب استشارية غربية وتُسوّقها السلطة على أنها “إصلاح”. والحقيقة أنها ليست إصلاحًا ولا حداثة، بل غطاء لسياسة قمعية تُسحق فيها الحريات الحقيقية بينما يُسمح بالتعرّي لأن وظيفته ليست ثقافية… بل ترويجية إن النظام السعودي، في سعيه لإبهار العالم، يتجاهل أنه يهين مجتمعه، ويستورد قيمًا لا يفهمها ولا يستطيع الدفاع عنها، ويحوّل الترفيه إلى أداة سياسية تُستخدم لتلميع صورة لا يمكن تلميعها مهما تعددت الإضاءات على السجادة الحمراء وهكذا يظهر المشهد كاملًا: نظام يُحاكم مواطناته بسبب “زي غير لائق”، لكنه يحتفي بالعري المستورد حين يخدم الدعاية. مجتمع يُطلب منه الانصياع، بينما يُفرض عليه نمط لا يشبهه. ودولة تريد أن تولد من جديد، لكن على الطريقة الهوليوودية لا على الطريقة الوطنية.
النتيجة واحدة:
ترفيه يُستخدم كستار… وواقع لا يمكن تجميله مهما امتدّت السجادة الحمراء.






