تتدحرج قرارات النظام السعودي بوتيرة تكشف أنها ليست خطوات إصلاحية مدروسة، بل عمليات تفكيك اجتماعي تُفرض من أعلى، دون نقاش عام، ودون اعتبار للبنية الاجتماعية التي تعيش فوقها الدولة منذ قرن. إعلان السماح للمقيمين الأجانب الذين يزيد دخلهم على 13,000 دولار شهريًا بشراء الكحول ليس قرارًا إداريًا، بل إعلان صريح بأن النظام يواصل إعادة تشكيل هوية البلاد وفق منطق “التسليع”، حيث تُعامل القيم كسلعة قابلة للبيع، وتُعامل المحرمات كملف اقتصادي، وتُعامل شرائح المجتمع نفسها كتجارب يمكن إخضاعها للاختبار. وهكذا تنشأ طبقة “مُعفاة من الهوية” وطبقة أخرى يُفرض عليها الالتزام الكامل، في مشهد لا يحمل أي علاقة بالمدنية أو الإصلاح، بل يعكس انقسامًا اجتماعيًا صُنع عمدًا ليبرر كل ما سيأتي لاحقًا.
«الكحول بامتياز طبقي: من يستطيع الدفع هو من يملك “الحق” في كسر القواعد»
تقديم الكحول للمقيمين الأثرياء ليس انفتاحًا، بل تعبير صريح عن دولة ترى القانون أخًا غير شقيق للمال: يلين أمام الأثرياء ويشتد على الفقراء. النظام لم يسمح بالكحول للجميع — لأنه لا يجرؤ — بل سمح بها لفئة محدودة جدًا لا لشيء سوى أن قدرتها المالية توفر حماية سياسية للنظام وتخلق سوقًا استهلاكية مربحة. القرار لا علاقة له بـ “تسامح ثقافي”، بل باقتصاد مأزوم يبحث عن مصادر جديدة للسيولة. فحين تبيع الدولة ما كانت تصفها بـ “المحرّمات” لمن يستطيع الدفع، فإنها لا تتحرر من إرثها، بل تتخلى عن قيمها من دون امتلاك نموذج بديل.
ومن المفارقات أن القرار يسمح للكحول بالدخول تحت غطاء “خدمة المقيمين ذوي الدخول المرتفعة”، بينما يحاكم السعوديون في الداخل على تغريدة، أو على ارتداء ملابس يراها النظام “غير لائقة”. إنها معادلة مكشوفة: الحريات سلعة، تُمنح لمن يدفع وتُحجب عمّن لا يستطيع. وحين يصبح المال شرطًا للحرية، نصل إلى دولة لا تعرف العدالة ولا تعرف الهوية، بل تعرف فقط كيف تُفرّق بين من تستطيع الاستفادة منه ومن لا ترى فيه قيمة.
«ترقيع اقتصادي أم إعادة صياغة أخلاقية؟ قرار يأتي في لحظة مالية خانقة للنظام»
السماح بالكحول لا ينفصل عن أزمة الاقتصاد السعودي المتفاقمة: عجز متصاعد حتى 2028، مديونية خارجية غير مسبوقة، بيع أصول أرامكو، تباطؤ المشاريع العملاقة، وانهيار قدرة الدولة على جذب الاستثمار غير النفطي. في هذه اللحظة بالتحديد يخرج قرار فتح سوق كحول موجهة لفئة محدودة، وكأنه محاولة لخلق “إيرادات بديلة” مهما كان الثمن الاجتماعي. ولأن النظام لم يستطع خلق صناعة حقيقية ولا تنويع الاقتصاد كما وعد، بدأ يفتح ملفات لم يكن يجرؤ على الاقتراب منها سابقًا — ليس بدافع الإصلاح بل بدافع الحاجة المالية.
والأخطر أن هذه القرارات تُسَوّق على أنها “تحديث”، بينما جوهرها إعادة كتابة قواعد المجتمع دون مشاركة المجتمع. إنها تحديث فوقي لا يبني مؤسسة، ولا يخلق قيمة اقتصادية، ولا يعالج جذور الأزمة، بل يحاول شراء الوقت عبر استيراد سلوكيات لا تشبه البيئة التي يُفترض أن تعيش فيها. وهكذا يختلط الغلاء المالي بالاعتباط الأخلاقي، ليولد شكل جديد من “الانفتاح المدفوع”، الذي لا يحمل أي معنى سوى أن الدولة تبحث عن نقود جديدة بأي ثمن.
«بلد يباع بالتقسيط: حين تتحول الهوية إلى سوق مفتوح»
ما يجري ليس تحديثًا، ولا انفتاحًا، ولا “تحريرًا اجتماعيًا”، بل انتقال مضطرب من منظومة أخلاقية إلى أخرى دون وجود أي أرضية صلبة تقف عليها الدولة أو المجتمع. السماح للكحول لفئة من المقيمين هو خطوة صغيرة في سلسلة طويلة من القرارات التي تعيد تشكيل البلد وفق حسابات سياسية واقتصادية ضيقة، بينما يُترك المجتمع بلا بوصلة واضحة ولا مساحة للمشاركة ولا ضمانات للمستقبل.
الدول لا تنهار حين تتبنى التغيير، بل حين تتبنى التغيير الذي لا يعرف وجهته. وما يحدث اليوم هو بالضبط ذلك: قرارات تُتخذ لأسباب مالية تُباع على أنها ثقافية، وانفتاح يُمارس على الغرب بينما يُحرم منه أهل البلد أنفسهم، ونسخة جديدة من السعودية يجري صناعتها في مكاتب العلاقات العامة بينما يفقد المواطن السيطرة على تعريف وطنه وهويته.
إن دولة تُحوّل القيم إلى منتج مدفوع الثمن لن تبني مجتمعًا، ولن تصنع استقرارًا، ولن تكسب احترامًا. إنها فقط تمشي بخطى سريعة نحو هاوية تصنعها بيديها.






