المشاهد المتداولة من مهرجانات هيئة الترفيه في السعودية لم تعد مجرد لقطات صادمة تُثير الجدل على وسائل التواصل، بل تحوّلت إلى دلائل بصرية على مشروع سياسي–اجتماعي متكامل، تُدار تفاصيله من أعلى هرم السلطة، ويُنفّذ بتمويل حكومي مفتوح وحماية أمنية صارمة، ويستهدف إعادة تشكيل المجتمع السعودي قسرًا عبر تفريغه من مرجعياته الدينية والأخلاقية. ما يجري ليس انفلاتًا عفويًا، ولا أخطاء تنظيمية، ولا “حالات فردية”، بل سياسة عامة جرى اتخاذ القرار بها، ويجري فرضها باعتبارها هوية الدولة الجديدة، حتى وإن تعارضت مع تاريخ البلاد، ومكانتها، ووجدان غالبية مجتمعها.
الترفيه كأداة حكم: حين تتحوّل المعصية إلى سياسة دولة
الاختلاط الفجّ، والعري العلني، والمجاهرة بالسلوكيات التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب من المحظورات الاجتماعية والدينية، لم تظهر فجأة، ولم تُفرض صدفة، بل جاءت نتيجة مسار مدروس قرر النظام من خلاله استخدام “الترفيه” كوسيلة لإعادة برمجة المجال العام. هذه المظاهر لا تُمارَس في زوايا معتمة، بل تُقام في ساحات مفتوحة، برعاية رسمية، وتحت شعارات الدولة، وبمشاركة مؤسسات حكومية، ما يجعلها رسالة سياسية قبل أن تكون حدثًا فنيًا.
في هذا السياق، لا يعود الترفيه مساحة اختيار فردي، بل يتحول إلى أداة ضبط اجتماعي معكوسة: يُكافأ الانفلات، ويُحمى، ويُروَّج له، بينما يُجرَّم الالتزام، ويُضيَّق عليه، ويُدفع إلى الهامش. الدولة لا تكتفي بالسماح، بل تُنتج وتُموّل وتُسوّق، وكأنها تقول للمجتمع بوضوح إن القيم التي شكّلت هويته لعقود لم تعد مرغوبة، وإن النموذج المقبول هو ذاك الذي يُدار بمنطق الاستهلاك والضجيج لا بمنطق الرسالة والمعنى.
إسكات القيم وتمكين الرذيلة: المعادلة المقصودة
الأخطر من المشاهد نفسها هو السياق القمعي الذي تُنتج داخله. ففي الوقت الذي تُفتح فيه الساحات العامة لأقصى درجات الانفلات السلوكي، تُغلق السجون على الدعاة والمصلحين وأصحاب الرأي، ويُمنع الخطاب الديني المستقل، ويُفرض الصمت القسري على كل من يحاول التذكير أو النصح أو التحذير. هذه ليست مفارقة عابرة، بل معادلة مدروسة: إقصاء كل صوت يحمل مرجعية أخلاقية، مقابل تمكين نموذج واحد للسلوك يُراد له أن يصبح “الطبيعي” و“المقبول”.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل مهرجانات الترفيه عن سياق الاعتقالات وحظر الخطابة وتجريم النصيحة. كلاهما وجهان لسياسة واحدة ترى في القيم خطرًا، وفي المجتمع المتماسك تهديدًا، وتسعى إلى تفكيك الروابط الدينية والأسرية والاجتماعية التي تمنح الناس قدرة على الرفض أو المقاومة. وحين يُجرَّد المجتمع من مرجعياته، يصبح أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على مساءلة السلطة.
صمت المؤسسة الدينية: التواطؤ الذي لا يُغتفر
وسط هذا التحول العنيف، يبرز الصمت المطبق للمؤسسة الدينية الرسمية بوصفه أحد أخطر عناصر المشهد. فغياب أي موقف صريح من المفتي أو هيئة كبار العلماء، في مواجهة تحويل المعصية إلى سياسة دولة، لا يمكن تفسيره إلا كتواطؤ أخلاقي، حتى وإن جرى تبريره بالخوف أو الحسابات الوظيفية. لم يُطلب من هذه المؤسسة ثورة سياسية، ولا مواجهة مفتوحة مع السلطة، بل كلمة حق، أو على الأقل موقف يرفع الحرج ويُسجّل اعتراضًا أخلاقيًا أمام التاريخ.
حين تختار المؤسسة التي تتحدث باسم الدين الصمت أمام هذا الانقلاب القيمي، فإنها تفقد دورها الرمزي، وتتحول من مرجعية أخلاقية إلى ديكور سلطوي. هذا الصمت لا يحمي الدين، بل يفرغه من معناه العام، ويترك الساحة خالية أمام خطاب رسمي يعيد تعريف “الاعتدال” و“الانفتاح” بما يخدم السلطة لا المجتمع.
استهداف الوعي والأجيال: صناعة هوية مفروضة بالقوة الناعمة
ما يُبث من هذه الفعاليات إلى الداخل والخارج ليس صورة بريئة، بل رسالة موجهة بعناية. النظام لا يكتفي بإقامة هذه المشاهد، بل يحرص على تصديرها باعتبارها تمثيلًا لـ“السعودية الجديدة”، وكأن هذه الحشود المنفلتة تختصر مجتمعًا بأكمله. في الواقع، ما يُعرض هو أقلية مُصنَّعة، جُمعت بالمال والتسهيلات والدعاية، ثم قُدّمت كهوية وطنية بديلة.
الأجيال الناشئة هي الهدف الأوضح لهذه السياسة. حين يرى الشاب أن الدولة نفسها تحتفي بالسلوك المنفلت، وتحميه، وتكافئ أصحابه، بينما تُعاقب التدين والالتزام، فإن الرسالة تُزرع بعمق: القيم عبء، والانحلال طريق آمن للنجاة والقبول. هكذا يُعاد تشكيل الوعي لا عبر الإقناع، بل عبر الإغراق والتطبيع والضغط النفسي المستمر.
هوية تُقاوِم رغم القمع
ما يجري اليوم ليس “تحريرًا للمجتمع” كما يُروَّج له، بل محاولة ممنهجة لإفساده وكسر مرجعياته، لأنه مجتمع لا يثق به النظام، ولا بهويته، ولا بدوره التاريخي. الترفيه الصاخب ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة من أدوات السيطرة، تُستخدم لإشغال الناس، وإضعاف الحسّ الأخلاقي، وتحويل المواطن من صاحب معنى وقضية إلى مستهلك منزوع الجذور.
ومع ذلك، فإن هوية بلاد الحرمين ليست مادة قابلة للمحو بقرارات إدارية أو حملات علاقات عامة. الدفاع عنها ليس تشددًا ولا رجعية، بل دفاع عن أمانة تاريخية حملها هذا المجتمع قرونًا. الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل تواطؤ، أما الرفض — مهما كان مكبوتًا — فهو الشكل الأخير المتبقي للدفاع عن المعنى في وجه مشروع يريد تحويل بلدٍ ذي رسالة إلى منصة بلا روح.






