هزيمة بلا اعتراف: كيف خرجت السعودية من اليمن خاسرة، بينما أعادت الإمارات ترتيب أوراقها وترك الحلفاء في العراء

هزيمة بلا اعتراف: كيف خرجت السعودية من اليمن خاسرة، بينما أعادت الإمارات ترتيب أوراقها وترك الحلفاء في العراء

ما جرى في اليمن لم يكن “تعثّرًا تكتيكيًا” ولا “حربًا طويلة الكلفة”، بل هزيمة سياسية وعسكرية كاملة الأركان، جرى تغليفها بخطاب الصمت وتبادل الأدوار. بعد سنوات من القصف والحصار والإنفاق المفتوح، خرجت السعودية من المشهد اليمني مثقلة بالخسائر، فاقدة للهيبة، تبحث عن مخارج تفاوضية تحفظ ماء الوجه أكثر مما تحفظ أي نفوذ. في المقابل، لعبت الإمارات لعبتها ببراغماتية باردة، أعادت رسم مواقعها، وحصدت مكاسب موضعية، ثم انسحبت من خطوط النار الثقيلة في اللحظة المناسبة. أما حلفاء السعودية المحليون، فوجدوا أنفسهم فجأة وقد أسندوا ظهورهم إلى “حيطة مايلة” انهارت عليهم في أول اختبار.

سقوط الهدف المركزي: الحرب التي بدأت لإعادة الشرعية وانتهت بلا شرعية

دخلت السعودية الحرب في اليمن رافعة شعار “إعادة الشرعية” ومنع تحوّل البلد إلى منصة تهديد على حدودها الجنوبية. بعد سنوات، لا شرعية عادت، ولا تهديد أُزيل، بل توسّعت رقعة النفوذ المعادي للرياض، وتحوّل اليمن إلى ساحة تستنزف السعودية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. القصف لم يحسم، والحصار لم يكسر الخصم، والتحالف الدولي تآكل، والنتيجة أن الرياض اضطرت في النهاية إلى التفاوض مع الطرف الذي قالت يومًا إنه لن يكون شريكًا.

هذا التحوّل لم يكن خيار قوة، بل اعترافًا غير معلن بالهزيمة. فالدولة التي تبدأ حربًا بهدف فرض شروطها، ثم تنهيها بالبحث عن ضمانات لحدودها فقط، تكون قد خسرت المعركة، حتى لو حاولت تسويق النتيجة على أنها “تهدئة” أو “إعادة تموضع”.

الإمارات: انسحاب محسوب ومكاسب محفوظة

بينما غرقت السعودية في المستنقع، أدارت الإمارات مشاركتها بعقلية مختلفة. لم تربط مصيرها بشعار شامل، ولم تُراكم وعودًا أكبر من قدرتها، بل ركّزت على نقاط نفوذ محددة: موانئ، جزر، تشكيلات محلية موالية. وعندما تغيّر ميزان الكلفة والعائد، انسحبت خطوة إلى الخلف، تاركة الرياض في الواجهة.

الإمارات لم “تنتصر” في اليمن، لكنها لم تُهزم بالطريقة التي هُزمت بها السعودية. حافظت على خطوط تواصل، أعادت ترتيب تحالفاتها، وقدّمت نفسها لاحقًا كطرف قادر على لعب أدوار أمنية واقتصادية محددة، لا كقائد حرب شاملة. بهذا المعنى، “لعبت بكرامتها”، أي خرجت قبل أن تُستنزف بالكامل، ورفضت أن تكون آخر من يطفئ الأنوار.

الحلفاء المحليون: من الوعد إلى الخذلان

الضحايا الحقيقيون لهذه الهزيمة لم يكونوا فقط على مستوى الجغرافيا، بل على مستوى الثقة. حلفاء السعودية في اليمن — سياسيون، عسكريون، وقوى محلية — بنوا خياراتهم على وعود الدعم والحسم. قيل لهم إن الغطاء موجود، وإن المعركة محسوبة، وإن التراجع غير وارد. لكن حين بدأت السعودية تبحث عن مخرج، تُرك هؤلاء مكشوفين.

اكتشف الحلفاء أن الرهان على الرياض كان رهانًا على “حيطة مايلة”: خطاب قوي دون قدرة على الحسم، دعم متقلّب، وقرار يتغيّر وفق ضغوط اللحظة. بعضهم خسر نفوذه، بعضهم خسر موقعه، وبعضهم خسر حياته، بينما بقيت السعودية تفاوض باسم “الأمن القومي”، وكأن هؤلاء لم يكونوا يومًا جزءًا من المعادلة.

الكلفة السياسية: صورة قوة تآكلت

الهزيمة في اليمن لم تبقَ محصورة هناك. انعكست على صورة السعودية الإقليمية. الدولة التي أرادت أن تثبت أنها قائدة للعالم العربي، خرجت من أول اختبار عسكري كبير وهي عاجزة عن تحقيق أهدافها. الرسالة التي التقطتها العواصم الإقليمية كانت واضحة: المال وحده لا يصنع نصرًا، والقوة الجوية وحدها لا تحسم حربًا، والتحالفات المرتجلة لا تصمد.

هذا الإدراك غيّر سلوك الآخرين. الخصوم باتوا أكثر جرأة، والحلفاء أكثر حذرًا، والوسطاء أكثر طلبًا للثمن. حتى التفاوض نفسه لم يعد من موقع فرض الشروط، بل من موقع تقليص الخسائر

اليمن: بلد مُدمَّر بلا أفق سعودي

وسط كل ذلك، بقي اليمن هو الخاسر الأكبر. بلد مدمَّر، مؤسسات منهارة، وملايين على حافة المجاعة. السعودية خرجت من الحرب دون أن تترك مشروع إعادة إعمار حقيقي أو رؤية سياسية قابلة للحياة. كل ما بقي هو ملف أمني ضيّق: حدود أقل توترًا، وصواريخ أقل، مقابل قبول واقع سياسي لم تكن لتقبله يومًا في بداية الحرب.

الهزيمة التي لا تُقال لكنها تُرى

الهزيمة لا تُقاس فقط بمن يرفع العلم، بل بمن يغيّر أهدافه في منتصف الطريق ثم ينهي الحرب دون تحقيقها. هذا ما جرى للسعودية في اليمن. خرجت مثقلة، مترددة، فاقدة للثقة بنفسها وبحلفائها. الإمارات قرأت المشهد مبكرًا، انسحبت ببراغماتية، وحافظت على أوراقها. أما حلفاء السعودية، فتعلّموا الدرس الأقسى: من يسند ظهره إلى قرار غير ثابت، يسقط عند أول ريح. اليمن كشف حدود القوة السعودية، وفضح وهم الحسم السريع، وترك في الذاكرة الإقليمية حقيقة لا يمكن محوها: هذه الحرب انتهت بهزيمة، حتى لو لم يُعلَن ذلك رسميًا

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية