السخرية المأذونة والقداسة المُربِكة

السخرية المأذونة والقداسة المُربِكة

تتكشّف خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة وقائع متزامنة لا يجمعها حدث واحد بقدر ما يجمعها منطق واحد: المجال العام في السعودية يُعاد تشكيله عبر استيراد الترفيه الغربي بأقصى درجات الصدمة، بينما يُدار كل ذلك بآلية “الإذن” لا الحرية، وبمنطق الاستعراض لا النقاش. من نكات جنسية يُقال صراحة إنها مُنحت تصريحًا خاصًا، إلى تبرير علني لقبول “أموال ملطخة بالدماء”، وصولًا إلى لافتات أعياد غير إسلامية على مقربة من أقدس بقاع المسلمين، تتقدّم صورة واحدة: دولة تسمح للغريب بما تمنعه عن أهلها، وتفتح للعرض ما تُغلقه أمام السؤال.

السخرية بتصريح رسمي: حين يصبح “المسموح” سياسة

تصريحات ديف تشابيل ليست زلّة لسان، بل اعتراف صريح ببنية السلطة الرمزية الجديدة: “سُمح لي” أن أقول ما لا يُسمح للسعوديين بقوله. هنا لا نتحدث عن نكتة جريئة، بل عن مبدأ. الكوميديا تُستورد كحزمة جاهزة، تُمنح حصانة مؤقتة لأنها تؤدي وظيفة بعينها: كسر المحرّم علنًا دون أن يُكسر نظام السيطرة. تشابيل قدّم نفسه “في مهمة دبلوماسية” لإحضار نكات عن الجسد والجنسانية إلى مجتمع لا يستطيع—بحسب قوله—حتى الحديث عنها. المفارقة أن “الدبلوماسية” هنا لا تُخاطب المجتمع، بل تُخاطب صورته أمام الخارج: جرأة بلا حرية، صدمة بلا نقاش، وكسرٌ للمحظور من فم الأجنبي لا من فم المواطن.

هذا المنطق يفضح ازدواجية فاضحة: ما يُمنح للأجنبي بوصفه “فنًا” يُجرَّم على المواطن بوصفه “تجاوزًا”. ليست المسألة أخلاقًا أو حداثة، بل من يملك حق الكلام. وهنا تتبدّى السلطة لا كراعٍ للفضاء العام، بل كمانح تصاريح للقول، تحدد ما يُقال ومن يقوله ولماذا.

أموال تُبرَّر… ودماء تُسوَّى: أخلاقيات الترفيه عند الحاجة

تصريح مصارع WWE سيث رولينز يقدّم تبريرًا فجًّا لكنه صادقًا في عريه: نعم، الأموال “ملطخة بالدماء”، لكن ذلك لا يزعج طالما أن الاتهام شامل ويمكن تعميمه. هذا ليس دفاعًا، بل تسوية أخلاقية: إذا كان الجميع مذنبين، فلا أحد مُدان. الأخطر أن هذا التبرير يُستخدم لتطبيع المشاركة، لا لمساءلتها. حين يُقال إن الانتقادات “ازدواجية”، يُغلق الباب أمام السؤال الحقيقي: لماذا يُستثمر الترفيه تحديدًا لتبييض السمعة؟

الاحتجاج بأن “الأوضاع تغيّرت” لأن النساء حضرن العروض لاحقًا لا يُقنع بقدر ما يُبسّط. الحضور لا يساوي الحرية، والتمثيل لا يساوي المشاركة. تحويل أي تغيير شكلي إلى صك براءة أخلاقية هو جوهر سياسة الإلهاء: لقطة تُعرض، صورة تُلتقط، ثم يُطلب من الجميع التصفيق.

قداسة مُربِكة: حين تختلط الرموز بلا سياق

مشهد لافتات “أعياد سعيدة” قرب الحرم المكي ليس تفصيلًا تجميليًا، بل اختبار حدود المعنى. المشكلة ليست في وجود آخرين ولا في التعايش، بل في غياب السياق والشرح والاحترام المتبادل للزمان والمكان. حين تظهر الرموز بلا خطاب يفسّرها، تتحوّل من تعايش إلى تشويش، ومن انفتاح إلى استفزاز صامت. المُعتمر الذي عبّر عن صدمته لم يحتج على وجود الآخر، بل على التوقيت والمكان وطريقة العرض—ثلاثة عناصر تُدار هنا بلا حساسية، وكأن الرموز تُستخدم لإيصال رسالة “نحن مختلفون الآن” أكثر مما تُستخدم لبناء فهم.

المقارنة المُضلِّلة: خاشقجي مقابل غزة

تبرير تشابيل مشاركته بمقارنة قتل صحفي واحد بقتل مئات الصحفيين في سياق آخر ليس دفاعًا أخلاقيًا، بل حيلة خطابية تُفرغ المسؤولية من معناها. تحويل المأساة إلى مسابقة أرقام يطمس الفعل بدل أن يضيئه. الأسوأ أن هذا التبرير يُكافَأ بالتصفيق لأنه يخدم هدفًا واحدًا: إسكات النقد عبر تشتيته. هكذا يُعاد تدوير الألم ليصبح ذريعة للامبالاة.

إذن الكلام بدل حرية القول ما تكشفه هذه الوقائع مجتمعة هو بنية واحدة: الترفيه يُستخدم كأداة ضبط لا كمساحة تعبير، والصدمات تُدار بإذن لا بحق، والقيم تُعلّق مؤقتًا حين تخدم الصورة. السماح لنكات جنسية من أجنبي، تبرير أموال مشكوك في أخلاقيتها، خلط الرموز قرب المقدسات بلا سياق، ثم إسكات الاعتراض بالمقارنات، كلها حلقات في سلسلة واحدة. ليست المشكلة في “الانفتاح” ولا في “الاختلاف”، بل في أن المجال العام يُعاد تصميمه من أعلى، حيث يُسمح بما يخدم العرض، ويُمنع ما يفتح السؤال. في هذا المسرح، تُقال السخرية لأن أحدًا أذن بها، لا لأن المجتمع اختارها. وحين يصبح الإذن بديلًا عن الحرية، تتحوّل الجرأة إلى ديكور، والقداسة إلى خلفية، والنقاش إلى تهمة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية