لم تعد أزمة غلاء المعيشة في السعودية مسألة أرقام أو مؤشرات اقتصادية يمكن مناقشتها في المجال العام، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى خط أحمر سياسي، يُقابل بالتجريم والملاحقة بدل المعالجة. ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز عن تشديد القيود على حرية التعبير واعتقال منتقدي ارتفاع تكاليف الحياة لا يمثّل انزلاقًا عابرًا في السياسات الداخلية، بل يعكس تحوّلًا بنيويًا في طريقة إدارة الدولة للأزمات: إسكات الأصوات بدل مواجهة الواقع.
في بلد يشهد تقلّبات اقتصادية حادّة، وتراجعًا في القدرة الشرائية، ورفعًا متواصلًا للدعم، كان يُفترض أن يكون النقاش العام متنفسًا طبيعيًا للتعبير عن القلق الاجتماعي. لكن السلطة اختارت مسارًا مختلفًا، يرى في أي تذمّر علني تهديدًا سياسيًا، وفي أي نقاش غير مُسيطر عليه إخلالًا بـ”الاستقرار”.
الغلاء كتهديد أمني لا كأزمة معيشية
بحسب التقرير، لم يعد مسموحًا حتى بما كان يُعدّ سابقًا “تذمّرًا اجتماعيًا” مقبولًا، كالتعليق على الأسعار أو البطالة أو ضعف شبكات الأمان الاجتماعي. هذا التحوّل، كما يوضح الأكاديمي أندرو ليبر، يعكس تضييقًا غير مسبوق على هامش التعبير، حيث لم يعد مقبولًا سوى “النقد المهذّب” المشروط، والذي لا يُسمح به إلا لفئات محددة نجحت في طمأنة السلطة بأنها لن تتجاوز السقف المرسوم.
هنا، لا تُدار الأزمة الاقتصادية كملف سياسات عامة، بل كملف أمني. فبدل الاعتراف بأن التضخم ورفع الأسعار وتقليص الدعم هي نتائج مباشرة لخيارات اقتصادية وسياسية، يجري التعامل معها بوصفها “شائعات” أو “تحريضًا” أو “إساءة للنظام العام”. المواطن، في هذا السياق، لا يُنظر إليه كمتضرر، بل كمشتبه به.
نقد مُفلتر وإعلام مُروّض
التقرير يسلّط الضوء على مفارقة صارخة: في الوقت الذي تُقمع فيه الأصوات المستقلة أو العفوية، يُفتح المجال أمام نمط محدد من “النقد المسموح”، يُقدَّم عبر منصات إعلامية وبودكاستات تستضيف مسؤولين كبارًا في مقابلات ودّية، خالية من الأسئلة الجوهرية. هذا ليس نقاشًا عامًا، بل عرض مُعدّ مسبقًا، يُستخدم لإيهام الجمهور بوجود مساحة حوار، بينما يُغلق المجال الحقيقي أمام أي مساءلة فعلية.
بهذا المعنى، لا يُمنع النقد كليًا، بل يُعاد هندسته. يُسمح فقط بالنقد الذي لا يُحرج، ولا يُحمّل السياسات مسؤولية، ولا يربط بين غلاء المعيشة وبين الإنفاق الضخم، أو الاقتراض، أو المشاريع العملاقة ذات الجدوى المشكوك فيها. أما أي محاولة لربط الأزمة بحقائق الاقتصاد السياسي، فتُعدّ تجاوزًا غير مقبول.
اقتصاد متوتر وسلطة بلا هوامش
القمع المتزايد للنقاش حول تكاليف المعيشة لا يأتي في فراغ. فهو يتزامن مع ضغوط مالية متصاعدة، وعجز مستمر في الميزانية، وتراجع الإيرادات النفطية، ولجوء متزايد إلى الاقتراض. في هذا السياق، يصبح ضبط الخطاب العام أداة لإدارة القلق، لا لحل أسبابه.
بدل مواجهة الأسئلة الصعبة حول الأولويات الاقتصادية، تختار السلطة فرض الصمت. وبدل توسيع شبكات الحماية الاجتماعية أو فتح نقاش شفاف حول الإصلاحات، تُضيّق الخناق على من يجرؤ على السؤال: لماذا ترتفع الأسعار بينما تُضخ المليارات في قطاعات ترفيهية ومشاريع استعراضية؟ ولماذا يُطلب من المواطن “التحمّل” بينما تُستثنى السياسات من أي نقد؟
الخوف كبديل للشرعية
ما تكشفه هذه السياسة هو هشاشة الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الواثقة من خياراتها لا تخشى النقد، بل تستوعبه. أما الدولة التي ترد على الشكوى بالعقاب، فهي دولة تدرك أن خطابها لم يعد مقنعًا. حين تُجرَّم الشكوى من الغلاء، يصبح الخوف هو الأداة الأساسية لضبط السلوك، لا الإقناع ولا المشاركة.
الأخطر أن هذا النهج لا يحل الأزمة، بل يؤجل انفجارها. فالقمع لا يُخفف من أثر التضخم، ولا يدفع الإيجارات إلى الانخفاض، ولا يُعيد الدعم المرفوع. كل ما يفعله هو دفع الغضب إلى الداخل، وتحويل المعاناة اليومية إلى صمت ثقيل، قد يبدو مستقرًا على السطح، لكنه قابل للتصدع عند أول اختبار حقيقي.
حين يصبح الصمت سياسة دولة
إن تجريم الحديث عن تكاليف المعيشة في السعودية ليس تفصيلًا حقوقيًا، بل مؤشر خطير على مسار أوسع يُدار فيه الاقتصاد بالعصا، ويُطلب من المجتمع تحمّل الأعباء دون حق السؤال. في هذا النموذج، لا تُناقش الأزمات، بل تُحجب. ولا يُعالج الغلاء، بل يُمنع الحديث عنه. الدولة التي تخشى مواطنيها حين يشتكون من أسعار الغذاء والسكن، هي دولة فقدت ثقتها بخياراتها، وتستعيض عن الشرعية الاقتصادية بالقبضة الأمنية. ومع كل اعتقال بسبب “تذمّر”، يتآكل ما تبقّى من العقد الاجتماعي، ويترسّخ واقع يُطلب فيه من الناس الصمت على الغلاء، بينما يُمنعون حتى من تسمية ما يعيشونه






