لم تعد صورة السعودية في تقارير الحريات الدولية قابلة للتجميل أو التأويل، ولا يمكن اختزالها في “تحديات مرحلية” أو “خصوصية ثقافية” كما تحاول الرواية الرسمية الترويج. ما يكشفه أحدث تقييم دولي للحريات هو بنية قمع مستقرة، متماسكة، ومتواصلة، تُدار بالقانون والأمن والقضاء والاقتصاد معًا، وتُغلق المجال العام إغلاقًا شبه كامل. الأرقام هنا لا تُستخدم كزينة إحصائية، بل كأدلة دامغة على أن الدولة اختارت طريق الإخضاع الشامل، لا الإصلاح، وأن أي حديث عن انفتاح أو تحديث سياسي ليس سوى ستار هشّ أمام واقع أكثر قتامة.
حرية مصنّفة في القاع: تسع نقاط تلخّص دولة بلا سياسة
يصنّف التقرير الأحدث لمنظمة Freedom House السعودية ضمن فئة “غير حرة”، بحصولها على تسع نقاط فقط من أصل مئة في مؤشر الحرية العامة. هذا الرقم ليس متدنّيًا فحسب، بل كاشف لغياب شبه كامل للحقوق الأساسية. ففي الحقوق السياسية، حصلت المملكة على نقطة واحدة من أصل أربعين، ما يعني انعدام المشاركة السياسية، وغياب أي آلية انتخابية وطنية، وانسداد كامل لمسارات التمثيل والمساءلة. أما في الحريات المدنية، فثماني نقاط من أصل ستين تؤكد أن حرية التعبير والتنظيم والعمل العام ليست مقيدة فحسب، بل مُفرغة من مضمونها.
إقليميًا، تضع هذه النتائج السعودية في ذيل الترتيب، متأخرة حتى عن أنظمة سلطوية أخرى، ولا تتقدم إلا على دول تعيش حروبًا مفتوحة أو انهيارات مؤسسية. وعالميًا، تُصنَّف في الخانة نفسها مع دول معروفة بإغلاقها الكامل للمجال العام. هذه المقارنة وحدها تكفي لفضح التناقض بين خطاب “الاستقرار” الذي يُسوّق رسميًا، والواقع الذي تُظهره المؤشرات: استقرار يقوم على تجفيف السياسة، لا على عقد اجتماعي أو رضى عام.
الفضاء الرقمي كساحة عقاب: رأي واحد مسموح والباقي جريمة
لا يقل وضع الإنترنت قتامة عن المجال العام. ففي تقييم حرية الشبكة لعام 2025، تبقى السعودية ضمن أسوأ دول العالم، بتصنيف “غير حر” وحصيلة متدنية تعكس رقابة شاملة وملاحقة ممنهجة. لا يُنظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه مساحة تعبير، بل كامتداد مباشر للأمن، حيث تُراقَب الحسابات، وتُحجب المواقع، وتُلاحق الآراء، وتُجرّم حتى الملاحظات العابرة إذا خرجت عن الخط المرسوم.
تُستخدم القوانين المعلوماتية بصياغات فضفاضة لتجريم التعبير السلمي، فيتحول المنشور إلى تهمة، والتغريدة إلى ملف جنائي، والرأي إلى خطر أمني. وقد وثّقت التقارير أحكامًا قاسية بالسجن لسنوات طويلة، لا بسبب دعوات للعنف، بل بسبب انتقاد أو تعليق أو مشاركة محتوى. هذا الواقع أنتج رقابة ذاتية خانقة، حيث يفضّل المواطن الصمت الكامل على المخاطرة بكلمة قد تكلّفه حريته.
القانون بلا ضمانات: القضاء في خدمة الردع
يرى التقرير أن الإطار القانوني في السعودية يمنح السلطات صلاحيات شبه مطلقة عبر عبارات مطاطية مثل “الإضرار بالنظام العام” و“إثارة الرأي العام”. هذه الصياغات لا تُستخدم لحماية المجتمع، بل لتكميمه، وتتيح استهداف الصحفيين والنشطاء والمدونين وحتى المستخدمين العاديين. الاعتقال التعسفي، والحبس دون محاكمة لفترات طويلة، ومنع التواصل مع المحامين أو العائلات، كلها ممارسات موثقة تتكرر دون محاسبة.
ورغم الحظر الرسمي للتعذيب، تشير التقارير إلى تلقي شهادات متكررة عن تعذيب جسدي ونفسي، وحبس انفرادي مطوّل، وإهمال طبي، وانتزاع اعترافات بالقوة. هذه الاعترافات تُستخدم لاحقًا كأساس لأحكام قاسية، ما يجعل القضاء أداة ردع لا مؤسسة عدالة.
الإعدام كسياسة: الدم في صلب المنظومة
أحد أخطر ما يكشفه التقرير هو التصعيد غير المسبوق في تنفيذ عقوبة الإعدام. فبحسب وكالة فرانس برس، نفذت السعودية ما لا يقل عن ثلاثمئة وثمانية وثلاثين عملية إعدام في عام 2024، وهو رقم قياسي تاريخي، مقارنة بمئة وسبعين في العام السابق. هذا الارتفاع الحاد لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني.
اللافت أن أكثر من ثلثي من أُعدموا أُدينوا بجرائم غير مميتة، خصوصًا قضايا المخدرات، في تجاهل صريح للمعايير الدولية التي تحصر الإعدام في “أشد الجرائم خطورة”. كما أن نسبة كبيرة من المعدَمين كانوا من الرعايا الأجانب، ما يثير تساؤلات حول العدالة، وتكافؤ الفرص، والضمانات القانونية. الإعدام هنا لا يُستخدم كعقوبة استثنائية، بل كأداة ترهيب ورسالة ردع جماعي.
تمييز ممنهج وفئات مكشوفة
لا يتوقف القمع عند السياسة والتعبير، بل يمتد إلى بنية اجتماعية تمييزية. يسلّط التقرير الضوء على التمييز المستمر ضد النساء والأقليات الدينية في القانون والممارسة، وعلى الأوضاع الاستغلالية التي يواجهها ملايين العمال الوافدين في ظل نظام كفالة ما زال ينتج انتهاكات واسعة، من مصادرة جوازات السفر إلى تقييد الحركة وعدم دفع الأجور.
كما يرصد التقرير استمرار ظواهر مثل زواج القاصرات بموافقات قضائية، وغياب حماية فعالة للأطفال في قطاعات العمل غير المنظمة. هذه القضايا ليست هامشية، بل جزء من منظومة تحرم فئات كاملة من أي حماية حقيقية.
دولة تُقاس بالقمع لا بالإصلاح ما ترسمه هذه المؤشرات ليس صورة دولة “تتعثّر في طريق الإصلاح”، بل دولة اختارت القمع كنموذج حكم مستقر. تسع نقاط من مئة، فضاء رقمي مغلق، قوانين مطاطية، إعدامات قياسية، وتمييز بنيوي؛ كلها عناصر تشكّل نظامًا متكاملًا لإدارة الخوف وإقصاء المجتمع عن السياسة. في هذا الواقع، يصبح الحديث عن تحديث أو انفتاح مجرد دعاية، بينما الحقيقة تُكتب بالأرقام، وتُنفّذ بالأحكام، وتُفرض بالصمت






