تضامن بالهاتف وانكشاف على الأرض: كيف تحوّلت حرب اليمن إلى اختبار فشل إقليمي للرياض

تضامن بالهاتف وانكشاف على الأرض: كيف تحوّلت حرب اليمن إلى اختبار فشل إقليمي للرياض

حرب اليمن
حرب اليمن

ليس الاتصال الهاتفي الذي تلقّته الرياض من رئيس وزراء باكستان سوى مرآة مكبّرة لمشهد أوسع وأكثر قسوة: دولة دخلت حربًا طويلة باسم “الحسم” و“إعادة الشرعية”، ثم انتهت بعد سنوات من الاستنزاف إلى طلب بيانات تضامن لفظية كلما اهتزّ موقعها في ساحة تقول إنها ساحة أمن قومي. حين يُعلن شهباز شريف “تضامنه الكامل” مع السعودية عقب هجوم على المكلا، ويتزامن ذلك مع لقائه قبلها بيوم واحد برئيس الإمارات محمد بن زايد، فإن الرسالة الأعمق ليست دعمًا، بل تشخيصًا: الرياض تُدار في اليمن بمنطق ردّ الفعل، وتستدعي الغطاء السياسي الخارجي في كل مرة يتصدّع فيها المشهد الذي بنت عليه سردية النصر. أما محمد بن سلمان، فيجد نفسه أمام حرب لا تُحسم، وحلفاء لا يلتزمون، ووقائع ميدانية تُناقض الخطاب الرسمي.

تضامن لفظي بلا كلفة… باكستان تختار المسافة الآمنة

لغة البيان الباكستاني دقيقة بقدر ما هي باردة. “تضامن كامل” يتبعه فورًا حديث عن “الحوار والدبلوماسية” و“الحفاظ على الاستقرار الإقليمي”. هذه ليست صيغة انخراط، بل صيغة تبرّؤ أنيق من أي التزام عملي. باكستان، التي رفضت منذ بدايات الحرب الانخراط العسكري المباشر في اليمن، تُعيد اليوم تثبيت موقعها: صديق في العلن، محايد في الفعل. الاتصال لا يحمل وعدًا، ولا إشارة دعم لوجستي، ولا حتى تلميحًا لتغيير سياسة. إنه تضامن بلا ثمن، يريح الرياض إعلاميًا، ولا يغيّر شيئًا في موازين الأرض.

الأهم أن هذا الموقف لا يأتي من فراغ. إسلام آباد قرأت المشهد كما هو: حرب ممتدة بلا أفق، تحالفات متآكلة، وخلافات داخل المعسكر الواحد. لذا فهي تحرص على ألّا تُغضب السعودية لفظيًا، وألّا تُغضب الإمارات عمليًا، وألّا تدفع كلفة حرب لا تخصّها. اختيار “المسافة الآمنة” هنا ليس دبلوماسية رمادية، بل حكم سياسي على فشل مسار عسكري طال أمده.

اليمن كمرآة فشل غارات، رسائل، ثم مزيد من الارتباك

الهجوم على المكلا—مدينة لطالما ارتبطت بنفوذ قوى محلية متداخلة المصالح—جاء ليكشف هشاشة السيطرة، لا قوتها. أن تُشنّ غارة هنا أو تُرسل رسالة هناك لا يغيّر حقيقة أن اليمن لم يعد ساحة قرار سعودي خالص. التناقض صارخ: بيانات تؤكد “الالتزام بأمن اليمن واستقراره”، مقابل وقائع تُظهر تعدد مراكز القوة، وتآكل القدرة على فرض مسار واحد.

هذا الارتباك ليس طارئًا. إنه نتيجة تراكم سنوات من إدارة الحرب بلا استراتيجية خروج، وبلا تسوية سياسية جامعة. الغارات تُعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها، والرسائل السياسية لا تُترجم إلى نفوذ مستدام. ومع كل تصعيد محدود، تُستدعى عواصم بعيدة لإصدار بيانات تضامن، في محاولة لسدّ فراغ الشرعية الذي أحدثه الفشل الميداني.

التحالفات حين تُختبر من يقف ومن يكتفي بالمشاهدة

الفارق بين الرياض وأبوظبي في إدارة الملف اليمني صار بنيويًا. الإمارات أعادت التموضع، خفّفت الانكشاف المباشر، وبنت شبكة وكلاء محليين تحمي مصالحها بأقل كلفة. السعودية، بالمقابل، بقيت في قلب الاستنزاف، وتحمّلت العبء الأكبر سياسيًا وعسكريًا. النتيجة أن الحلفاء يقرأون الوقائع: من يدفع الثمن هو من يحتاج إلى التضامن، لا من يفرض شروط اللعبة.

الاتصال الباكستاني، حين يُقرأ في هذا السياق، يبدو أقرب إلى “تعزية سياسية” منه إلى دعم فعلي. هو اعتراف ضمني بأن الحرب وصلت إلى مرحلة إدارة الخسائر، لا تحقيق المكاسب. ومع كل بيان تضامن، تتآكل هيبة “التحالف” بوصفه كتلة صلبة، ويظهر بدلًا منها تجمع مصالح متحركة، يختار كل طرف فيه توقيته ومسافته.

حرب بلا نصر ودبلوماسية تُخفي الانكشاف

ما تكشفه هذه الحلقة ليس قوة شبكة العلاقات السعودية، بل هشاشتها حين تُختبر. التضامن الهاتفي لا يحسم معركة، والبيانات لا تُعيد رسم خرائط النفوذ. اليمن، بعد سنوات من الحرب، بات امتحانًا مفتوحًا لفشل الخيارات القصوى: لا نصر عسكري، ولا تسوية سياسية مكتملة، ولا تحالف متماسك. والنتيجة أن الرياض تُدير أزمة ممتدة بأدوات قصيرة النفس، وتستدعي الغطاء الخارجي كلما ارتدّ عليها الواقع. إذا كان لِهذا الاتصال من معنى، فهو أن الحلفاء قرأوا المشهد مبكرًا، واختاروا ألّا يغرقوا. أما السعودية، فما زالت عالقة بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف، وبين الرغبة في الظهور بمظهر القائد الإقليمي، والحاجة الدائمة إلى تضامن لفظي يرمّم صورة تتآكل. في السياسة، كما في الحروب، حين يصبح “التضامن” بديلًا عن الحل، فذلك إعلان غير مباشر بأن المسار أخفق، وأن الخروج بات أصعب من الدخول

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية