لم يعد الجدل الدائر حول السياسة الخارجية السعودية مجرّد خلاف في التقديرات أو تباين في المصالح، بل بات توصيفًا لأزمة أعمق في طريقة صنع القرار نفسها. البيان الصادر عن المجلس الوطني السعودي للإنقاذ لا يقدّم اتهامًا عابرًا، بل يضع إصبعه على جوهر المأزق: دولة تُدار سياستها الخارجية بعقلية فردية متقلبة، تتبدّل فيها المواقف الحادّة إلى مصافحات باردة، ثم تعود إلى حملات عدائية، من دون إطار مؤسسي أو تفسير سياسي مقنع. في قلب هذا المشهد يقف محمد بن سلمان بوصفه مركز القرار الأوحد، حيث تتحوّل الدولة إلى امتداد لاندفاعاته الشخصية لا إلى كيان تحكمه ثوابت استراتيجية.
الإعلام كمرآة للتخبّط لا كأداة معرفة
يشير المجلس بوضوح إلى التحوّل الصادم في خطاب الإعلام السعودي تجاه الإمارات: من التبجيل المطلق إلى الهجوم الحاد. هذا التحوّل، كما يؤكد البيان، لا يعكس اكتشافًا مفاجئًا لـ«خيانة» أو انقلابًا دراماتيكيًا في سياسات أبوظبي، بل يعكس ارتباكًا في مركز القرار السعودي. الإعلام هنا لا ينقل وقائع ولا يقدّم تحليلًا، بل يعمل كذراع تنفيذ لتقلّبات الحاكم؛ يسبّ اليوم ويمدح غدًا، دون مساءلة أو اعتراف بالخطأ، ودون شرح للرأي العام الذي يُطلب منه دائمًا أن يصدّق الرواية الجديدة كما هي.
هذا النمط لم يكن استثناءً. فالمشهد نفسه تكرّر مع قطر: حرب سياسية وإعلامية واقتصادية شاملة أُطلقت بلا مبرّر مقنع، ثم رُفعت فجأة بلا ثمن سياسي ولا تغيير حقيقي في سياسات الدوحة. الرسالة التي تلقّتها العواصم الإقليمية لم تكن عن قوة سعودية حاسمة، بل عن قيادة تغيّر خطابها بحسب اللحظة، وتنتقل من التصعيد إلى التراجع من دون جسور مؤسسية تحفظ ماء الوجه أو تضمن الاستقرار.
اليمن… الغضب المتأخر ومحاولة الهروب من الفشل
في الملف اليمني، يقدّم البيان اتهامًا أكثر مباشرة: محاولة تغطية فشل سياسي واستراتيجي عبر افتعال صدمة متأخرة. فصعود المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وسيطرته على مفاصل حساسة في الجنوب، لم يكن طارئًا ولا مفاجئًا. هذه القوات بُنيت وسُلّحت وتدرّبت لسنوات بعلم القيادة السعودية الكاملة، ودون اعتراض فعلي من ولي العهد. الادّعاء اليوم بالغضب أو «الدهشة» لا يصمد أمام الوقائع، بل يكشف عجزًا في القراءة أو تضليلًا متعمّدًا للرأي العام.
الأخطر أن هذا السلوك يحاول نقل المسؤولية إلى الخارج بدل الاعتراف بأخطاء الداخل. فمن يدّعي أنه لم يتوقّع تمدّد الانتقالي نحو حضرموت والمهرة، إما لم يفهم ما كان يجري أمام عينيه، أو يتهرّب من محاسبة سياسية مستحقة. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: دولة تفقد قدرتها على التخطيط المسبق، وتتحرّك بمنطق ردّ الفعل.
منطق الردّة الفعل بدل الدولة المؤسسية
يُجمع البيان على أن جوهر الأزمة لا يكمن في قطر أو الإمارات، بل في طريقة إدارة السياسة الخارجية نفسها. فحين تُدار الدولة بمنطق «الردّة الفعل»، يصبح القرار أسير اللحظة، وتتحوّل العلاقات الدولية إلى مسرح لتصفية الحسابات الشخصية. الدولة هنا لا تُدار بوصفها كيانًا مؤسسيًا له مصالح طويلة الأمد، بل كملكية خاصة يُعاد تشكيل خطابها ومواقفها بحسب مزاج الحاكم.
هذا النهج أضرّ بمكانة السعودية الإقليمية وأفقدها صفة الشريك المستقر. فالدول لا تبني تحالفاتها على أهواء متقلبة، ولا تراهن على قيادة تغيّر خطابها بين ليلة وضحاها دون تفسير. الثقة السياسية تُبنى على الاتساق، لا على القفز بين المواقف.
حين يدفع الشعب ثمن الحكم الفردي
يخلص المجلس الوطني السعودي للإنقاذ إلى تحذير بالغ الخطورة: استمرار هذا النمط في الحكم يحمّل الشعب السعودي كلفة سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة. فالتخبّط في السياسة الخارجية لا يبقى في حدود الخطاب، بل ينعكس عزلةً إقليمية، وارتباكًا في التحالفات، واستنزافًا للموارد، وتراجعًا في الثقة الدولية.
الدعوة هنا ليست إلى خصومة مع هذا الطرف أو ذاك، بل إلى كبح الحكم الفردي وإعادة السياسة الخارجية إلى معايير المصلحة القومية والمؤسسات. فالدولة التي تُدار بالمزاج لا تصنع نفوذًا، بل تراكم الأزمات. وإذا لم تُضبط هذه الاندفاعات، فإن تقلبات ولي العهد لن تبقى مجرد عناوين إعلامية، بل ستتحوّل إلى عبء دائم يثقل مستقبل السعودية ويقوّض استقرارها على المدى البعيد.






