قضية المواطن الفرنسي عمرو عبد الفتاح لا تكشف خللًا عابرًا في إجراء أمني، ولا خطأ فرديًا لضابط تجاوز صلاحياته، بل تفضح بنية كاملة تقوم على تحويل الاحتجاز إلى أداة كسر، والمحاكم الاستثنائية إلى غطاء، والصمت الرسمي إلى سياسة. ما جرى داخل أسوار المسجد الحرام، ثم في سجن ذهبان، ثم خلف أبواب المحكمة الجزائية المتخصصة، يرسم صورة نظام لا يفرّق بين قدسية المكان وطقوس القمع، ولا بين مواطن وأجنبي، حين يتعلّق الأمر بإخضاع الفرد وإلغاء صوته.
من ساحة الحرم إلى الزنزانة: كيف تُصنع الجريمة من فراغ
ما يميز هذه القضية ليس فقط مكان الاعتقال، بل منطق تحويل الضحية إلى متهم. عمرو عبد الفتاح لم يُوقف بتهمة جنائية، ولم يُشتبه به أمنيًا، ولم يكن طرفًا في أي نشاط سياسي أو عنيف. كل ما في الأمر أنه كان في ساحة المسجد الحرام، وأوقف خلال تفتيش روتيني لتصريح الحج، ثم دخل في مشادة كلامية مع ضابط شرطة اتسم سلوكه بالاستفزاز والعدوانية، وفق رواية العائلة.
هنا، بدل أن يُعالج الخلل إداريًا، وبدل أن يُنظر إلى الرجل كضحية احتيال في ملف التأشيرات – وهي ظاهرة أقرت بها السلطات نفسها – جرى تصعيد الواقعة عمدًا. نُقل إلى مركز شرطة الحرم، ثم إلى سجن ذهبان، وجرى تفريغ المشادة اللفظية من سياقها وتحويلها إلى “إساءة لهيبة الدولة”.
بهذا المنطق، لا تعود القوانين أدوات تنظيم، بل أسلحة تأديب. ويصبح أي احتكاك مع رجل أمن مادة خامًا لبناء ملف اتهام، حتى داخل أقدس مكان لدى المسلمين.
محكمة الإرهاب لمحاكمة الكلام: إسقاط العدالة عمدًا
الانتهاك الأخطر لم يكن في الاعتقال وحده، بل في المسار القضائي الذي تلاه. فعمرو عبد الفتاح أُحيل إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي محكمة أُنشئت أساسًا لقضايا الإرهاب وأمن الدولة. لا توجد في ملفه أي تهمة عنف، ولا انتماء، ولا تحريض، ولا نشاط منظم. التهم الموجهة إليه بقيت فضفاضة: “عدم احترام ضابط شرطة”، و”انتقاد سلطات الدولة”.
استخدام هذه المحكمة في قضية كهذه ليس خطأ قانونيًا، بل قرار سياسي واضح: تجريد المتهم من أي ضمانات حقيقية، وإخضاعه لمسار استثنائي مغلق، يُمنع فيه الحضور العلني، وتُقيّد فيه أدوار المحامين، وتُقصى فيه حتى البعثات القنصلية.
العائلة تمكنت من توكيل محامٍ، لكن وجوده كان شكليًا. لم يُسمح له بحضور الجلسات بانتظام، ولم يتمكن من الاطلاع الكامل على الملف. القنصلية الفرنسية مُنعت من الحضور. كل ذلك يؤكد أن الهدف لم يكن محاكمة عادلة، بل إدارة ملف بعيدًا عن أي رقابة.
التعذيب والاختفاء القسري: حين يصبح الصمت جريمة مستمرة
ما يجعل هذه القضية جريمة متواصلة، لا حادثة منتهية، هو نمط الإخفاء القسري الممنهج. لأكثر من ثلاثة أشهر، لم تعرف العائلة أين ابنها. لا اتصال، لا إخطار رسمي، لا زيارة، لا محامٍ، ولا تمكين قنصلي. هذا وحده كافٍ لتوصيف الحالة كاختفاء قسري وفق القانون الدولي.
ثم جاءت إفادات عمرو نفسه لتكمل الصورة القاتمة. في مكالمات نادرة، خاضعة للمراقبة، تحدث عن تعذيب جسدي ونفسي، وعن إهانة مباشرة على يد قاضي التحقيق، الذي أجبره على الركوع أثناء الاستجواب. بعد كل إفادة، كان الاتصال يُقطع. وفي يونيو 2025، كرر روايته عن الضرب المبرح والحبس الانفرادي المطوّل. ثم اختفى تمامًا.
لاحقًا، تبيّن أنه نُقل إلى المستشفى بسبب إصابات خطيرة. ومنذ أغسطس 2025، انقطعت كل سبل التواصل. آخر زيارة قنصلية في أكتوبر 2025 رصدت آثار تقييد بالأصفاد وإصابات حديثة في المعصمين. منذ ذلك الحين، لا معلومات مؤكدة عن وضعه.
هذا ليس إهمالًا إداريًا، بل جريمة اختفاء قسري مستمرة، تتحمل السلطات السعودية مسؤوليتها الكاملة ما دامت ترفض الكشف عن مكانه ووضعه وضمان سلامته.
دولة تُخفي الأفراد لتُخفي النظام
قضية عمرو عبد الفتاح ليست استثناءً، بل مرآة. مرآة لنظام يستخدم الاعتقال التعسفي لترويع، والمحاكم الاستثنائية لإسكات، والتعذيب لانتزاع الخضوع، ثم الصمت لإغلاق الملف. أن يحدث ذلك مع مواطن أجنبي، داخل الحرم المكي، وتحت أنظار العالم، يؤكد أن المشكلة ليست في “سوء تطبيق”، بل في بنية ترى الإنسان تفصيلًا قابلًا للإخفاء.
طالما استمر هذا النمط، فإن أي حديث عن إصلاح، أو انفتاح، أو احترام للقانون، يبقى دعاية فارغة. والاختفاء القسري لا يسقط بالتقادم، بل يظل جريمة مفتوحة، تُلاحق مرتكبيها مهما طال الزمن، وتبقى شاهدًا على نظام اختار القمع بدل العدالة، والصمت بدل الحقيقة.






