الرقم وحده كافٍ لإطلاق صافرات التحذير: 33 مليار دولار اقترضتها البنوك السعودية من الأسواق الدولية في عام واحد، أي ثلاثة أضعاف الرقم القياسي المسجّل في العام السابق. هذه ليست مجرد زيادة طبيعية في أدوات التمويل، بل قفزة غير مسبوقة تعكس خللًا بنيويًا في توازن النظام المالي، وتكشف أن “النمو المتسارع” الذي جرى الترويج له خلال السنوات الماضية كان ممولًا على نحو مفرط بالديون، لا بعوائد إنتاجية مستدامة.
الاقتراض المصرفي بهذا الحجم، وبهذه الوتيرة، لا يحدث في فراغ. البنوك لا تتحرك بدافع الطموح، بل بدافع الحاجة. وحين تضطر مؤسسات يفترض أنها عماد الاستقرار المالي إلى طرق أبواب الأسواق الدولية بهذا الشكل المحموم، فذلك يعني أن السيولة المحلية لم تعد كافية، وأن الفجوة بين الالتزامات والموارد اتسعت إلى مستوى مقلق.
تمويل الرؤية أم ترحيل الأزمة؟
التفسير الرسمي غير المعلن يقول إن البنوك “تعيد توازن مراكزها المالية” بعد تمويلها المكثف للنمو الاقتصادي. لكن السؤال الجوهري هو: أي نمو هذا الذي يستنزف البنوك إلى حد الاقتراض الخارجي القياسي؟
خلال السنوات الأخيرة، ضُخت القروض بكثافة في مشاريع كبرى مرتبطة برؤية الدولة، وفي شركات وصناديق ذات صلة مباشرة بالإنفاق الحكومي. هذا النمط خلق نموًا رقميًا سريعًا، لكنه لم يُنتج تدفقات نقدية مقابلة بالسرعة نفسها. النتيجة: أصول طويلة الأجل ممولة بالتزامات قصيرة أو متوسطة الأجل، وهو وضع مالي هش بطبيعته.
بدل أن يكون القطاع المصرفي ممولًا للاقتصاد، بدأ الاقتصاد يضغط على المصارف لتحمل أعباء أكبر من قدرتها الطبيعية، ما يدفعها إلى الاقتراض الخارجي لسد فجوات داخلية. هنا يتحول الاقتراض من أداة إدارة سيولة إلى آلية ترحيل للأزمة نحو المستقبل.
الأسواق الدولية ليست بلا ثمن
الاقتراض من الخارج قد يبدو حلًا تقنيًا، لكنه يحمل كلفة استراتيجية. فالبنوك السعودية اليوم باتت أكثر تعرضًا لتقلبات أسعار الفائدة العالمية، وأكثر حساسية لتغير شهية المستثمرين الدوليين. أي تشديد نقدي عالمي، أو توتر جيوسياسي، أو تراجع في التصنيف الائتماني، يمكن أن يرفع كلفة التمويل فجأة ويضغط على هوامش الربحية.
والأخطر أن هذا الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي يربط الاستقرار المصرفي المحلي بعوامل لا تملك الدولة السيطرة عليها. في بيئة عالمية مضطربة، يصبح هذا الرهان محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا إذا تزامن مع تباطؤ اقتصادي داخلي أو تراجع في أسعار النفط.
البنوك ليست جزيرة معزولة عن الدولة
القطاع المصرفي لا يعمل بمعزل عن السياسات العامة. حين تقترض البنوك بهذه الكثافة، فهي تعكس في الواقع نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على التوسع السريع بالإنفاق، مقابل عوائد غير مؤكدة. هذا النموذج قد يُنتج أرقامًا لافتة على المدى القصير، لكنه يراكم التزامات صامتة تظهر لاحقًا على شكل ديون، وضغوط سيولة، وربما تدخلات إنقاذ.
كما أن هذا المسار يتقاطع مع سياسة مالية تعتمد بدورها على الاقتراض لسد العجز، ما يعني أن الدولة والبنوك تتحركان في الاتجاه نفسه: الاستدانة بدل الإصلاح الهيكلي العميق. وفي هذه الحالة، يصبح النظام المالي كله عرضة لعدوى المخاطر، بدل أن يكون صمام أمان.
إذا كان الاقتراض بهذا الحجم يموّل اقتصادًا منتجًا قادرًا على توليد وظائف، وزيادة الصادرات، ورفع التنافسية، لكان النقاش مختلفًا. لكن المؤشرات الأخرى – من تباطؤ النمو غير النفطي، وارتفاع البطالة، وضغط تكاليف المعيشة – توحي بأن العوائد الاجتماعية والاقتصادية لا تتناسب مع حجم المخاطر المالية المتراكمة.
بعبارة أوضح: الديون تكبر أسرع من قدرة الاقتصاد الحقيقي على خدمتها. وهذه هي المعادلة الكلاسيكية التي تسبق الأزمات، حتى في الاقتصادات الكبيرة.
حين يصبح الاقتراض لغة المرحلة
الاقتراض القياسي للبنوك السعودية في 2025 ليس دليل ثقة، بل إشارة توتر. إنه تعبير صريح عن نموذج نمو يعتمد على الدفع إلى الأمام، لا على التوازن. كل دولار يُقترض اليوم هو التزام على الغد، وكل قفزة في التمويل الخارجي تقلّص هامش الخطأ في المستقبل.
الاقتصادات القوية تُقاس بقدرتها على تمويل نفسها من داخلها، لا بسرعة وصولها إلى أسواق الدين. وحين تتحول البنوك إلى أكبر طالبي القروض في تاريخها، فهذا يعني أن الخلل لم يعد هامشيًا، بل صار جزءًا من بنية الاقتصاد نفسه.
السؤال لم يعد: هل تستطيع البنوك السعودية الاقتراض؟ بل: إلى متى يمكن لهذا المسار أن يستمر دون أن يدفع المجتمع كله ثمنه






