نيوم بعد الحلم: حين تُجبر الدولة على الاعتراف بأن  المشروع أكبر منها

نيوم بعد الحلم: حين تُجبر الدولة على الاعتراف بأن  المشروع أكبر منها

ذا لاين
ذا لاين

بعد إنفاق عشرات المليارات وتسويق نيوم بوصفها أعجوبة القرن الحادي والعشرين، تجد السعودية نفسها مضطرة إلى التراجع خطوةً كبيرة إلى الخلف. ما كان يُقدَّم كمدينة خارقة للطبيعة، تعيد اختراع العمران والاقتصاد والتكنولوجيا، بات اليوم ملفًا لإدارة الخسائر، وإعادة التصميم، وتقليص الطموح تحت ضغط الواقع المالي والزمني. التغييرات الجذرية التي كشفت عنها فايننشال تايمز لا تمثل “تطويرًا مرحليًا” كما يُسوَّق رسميًا، بل اعترافًا صريحًا بأن التصور الأصلي لنيوم لم يكن قابلًا للتنفيذ بالحجم والطريقة التي أُعلن عنها.

الاعتراف المؤجل حين يصبح التقليل ضرورة لا خيارًا

بحسب مصادر مطّلعة نقلت عنها فايننشال تايمز، بات ولي العهد محمد بن سلمان يتصور مشروعًا “أصغر بكثير” من نيوم الأصلية. هذه الجملة وحدها تختصر التحول كله: من مشروع يُفترض أنه بحجم بلجيكا، إلى نسخة مصغّرة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنية تحتية أُنجزت بتكلفة باهظة.

تقليص “ذا لاين” ليس تفصيلًا ثانويًا، بل نسفًا لجوهر المشروع. المدينة الخطية التي امتدّت في العروض الترويجية لمسافة 170 كيلومترًا، وجرى تسويقها باعتبارها قلب نيوم النابض، تتجه اليوم إلى إعادة تصميم شاملة، بحيث تصبح “مفهومًا مختلفًا تمامًا”، وفق توصيف المصادر نفسها. هذا التحول يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن النموذج العمراني الأصلي كان شديد الطموح إلى حد الانفصال عن الواقع الهندسي والاقتصادي.

ولا يقل دلالة عن ذلك الإعلان الرسمي عن عدم استضافة تروجينا للألعاب الآسيوية الشتوية 2029، بعد أن كانت إحدى أيقونات المشروع. تراجع الرياض عن هذا الالتزام الدولي يؤكد أن التأخير لم يعد ممكنًا إخفاؤه، وأن الفجوة بين الوعود والتنفيذ أصبحت أوسع من أن تُدار بالبيانات الإنشائية.

من مدينة المستقبل إلى مركز بيانات تغيير وظيفة لا تطوير رؤية

أخطر ما في التحول الجديد ليس تقليص الحجم، بل تغيير الوجهة. فنيوم، التي قُدّمت بوصفها مدينة مستقبلية للعيش والعمل والسياحة والتقنية، يُعاد تعريفها اليوم كمركز لمراكز البيانات، في إطار سعي السعودية لأن تصبح لاعبًا عالميًا في الذكاء الاصطناعي.

من حيث المبدأ، قد يبدو هذا التحول “براغماتيًا”، لكنه في جوهره اعتراف بأن المشروع فشل في تحقيق رؤيته الأصلية، واضطر للبحث عن وظيفة اقتصادية بديلة تُبرر ما أُنفِق. التركيز على مراكز البيانات يستند إلى اعتبارات عملية: الموقع الساحلي، استخدام مياه البحر للتبريد، وتوافر الطاقة. غير أن هذا التحول يُفرغ نيوم من بعدها الرمزي، ويحوّلها من “مدينة للمستقبل” إلى بنية تحتية تقنية ضخمة بلا روح عمرانية.

الأهم أن هذا التغيير لا يأتي في فراغ، بل في سياق شحّ السيولة وتراجع أسعار النفط، وضغوط متزايدة على الميزانية السعودية، بالتزامن مع التزامات مكلفة أخرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034. في هذا السياق، لا يبدو تحويل نيوم إلى مركز بيانات خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، بقدر ما هو محاولة لتدوير المشروع ومنحه وظيفة أقل كلفة سياسيًا وإعلاميًا.

 صندوق الاستثمارات بين الطموح والعائد مأزق لا يُقال علنًا

يقف صندوق الاستثمارات العامة في قلب أزمة نيوم. الصندوق، الذي تقترب أصوله من تريليون دولار، قاد موجة المشاريع العملاقة بوصفه ذراع التحول الاقتصادي. لكنه اليوم يواجه ضغوطًا متزايدة لتحقيق عوائد حقيقية، لا مجرد عناوين كبرى.

نيوم تحولت خلال السنوات الماضية إلى منجم مالي لشركات الاستشارات والهندسة والإنشاءات، فيما بقي العائد الاقتصادي الفعلي غامضًا. مغادرة الرئيس التنفيذي ناظمي النصر بشكل مفاجئ في أواخر 2024 لم تكن حادثًا إداريًا عابرًا، بل إشارة إلى عمق الإشكال. المراجعة “الشاملة” التي أطلقها خلفه لم تأتِ من فراغ، بل من إدراك متأخر بأن المشروع خرج عن السيطرة من حيث الكلفة والتعقيد.

صحيح أن ولي العهد صرّح سابقًا باستعداده لإلغاء أو تعديل أي مشروع إذا اقتضت “المصلحة الوطنية”، لكن ما يجري اليوم يُظهر أن القرار لم يكن استباقيًا، بل اضطراريًا. فحين تُصرف عشرات المليارات قبل إعادة التقييم، يصبح “التعديل” محاولة متأخرة لاحتواء الخسائر، لا دليلاً على حوكمة رشيدة.

 نيوم كدرس قاسٍ في حدود القوة

قصة نيوم، كما تتكشف اليوم، ليست قصة مشروع يُعاد ضبطه بهدوء، بل قصة طموح غير محسوب اصطدم بالواقع. التقليل، إعادة التصميم، تغيير الوظيفة، وتأجيل أو إلغاء الالتزامات الدولية، كلها مؤشرات على أن المشروع تجاوز منذ البداية قدرة الدولة على تحمّله بالحجم والشكل المعلنين. نيوم لم تسقط بعد، لكنها لم تعد ما وُعد به العالم. تحولت من رمز للهيمنة على المستقبل إلى درس قاسٍ في حدود القوة حين تُدار المشاريع بالاندفاع لا بالحساب. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل تمثل هذه المراجعة بداية عقلنة حقيقية للسياسات الاقتصادية، أم مجرد مرحلة انتقالية قبل إعلان حلم جديد أكبر من القدرة مرة أخرى

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية