حين يتوقف الخيال عند أول اختبار: «المكعّب» كعلامة على انكسار السردية الاقتصادية

حين يتوقف الخيال عند أول اختبار: «المكعّب» كعلامة على انكسار السردية الاقتصادية

لم يكن تعليق العمل في مشروع «المكعّب» مجرد خبر تقني عن مراجعة تمويل أو إعادة تقييم جدوى، بل لحظة كاشفة لمرحلة كاملة من إدارة الاقتصاد والسياسة في السعودية. فالمشروع الذي قُدِّم بوصفه أيقونة معمارية غير مسبوقة، ورمزًا لجرأة «رؤية 2030» وقدرتها على إعادة تشكيل المدن والاقتصاد معًا، يتوقف اليوم بعد الحفر والأوتاد، تاركًا وراءه سؤالًا أكبر من هيكل معدني ضخم: إلى أي مدى كانت هذه الرؤية مبنية على حسابات واقعية، وإلى أي حد كانت أقرب إلى عرض خيالي ينهار عند أول ضغط مالي حقيقي؟

تعليق «المكعّب» لا يأتي في فراغ، بل في سياق متراكم من التأجيلات، والتقليصات، وإعادة ترتيب الأولويات، التي بدأت بـ«ذا لاين» في نيوم، ومرّت بتأجيل «تروجينا» والألعاب الآسيوية الشتوية، وتصل الآن إلى قلب العاصمة نفسها. هذا التحول لا يعكس «مرونة» كما تحاول الخطابات الرسمية تسويقه، بل يعكس فشل نموذج اقتصادي قائم على القفز فوق الواقع، وعلى إنفاق ضخم بلا ضمانات عائد، ثم التراجع حين تنكشف حدود القدرة على التمويل.

المكعّب: من رمز للقوة إلى عبء على الميزانية

كان «المكعّب» مشروعًا مصممًا لإبهار العالم: هيكل عملاق بأبعاد 400 متر × 400 متر، قبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وعالم افتراضي داخلي يُفترض أن ينقل الزائر إلى «واقع آخر». لكن خلف هذا الوصف البراق، كان المشروع يفتقر منذ البداية إلى إجابة مقنعة عن سؤال الجدوى الاقتصادية. ماذا سيُنتج؟ من سيُموّله على المدى الطويل؟ وما العائد الحقيقي مقارنة بالكلفة؟

تعليق الأعمال بعد مرحلة الحفر وتنفيذ الأوتاد يعني عمليًا أن المشروع لم يتجاوز عتبة الفكرة المكلفة. الأموال صُرفت، العقود وُقِّعت، شركات الاستشارات والهندسة استفادت، لكن البناء الفعلي توقّف. هذه ليست حادثة معزولة، بل نمط متكرر في مشاريع الرؤية: إطلاق ضخم، دعاية عالمية، ثم مراجعة متأخرة عندما تصطدم الطموحات بالأرقام.

والأخطر أن «المكعّب» ليس مشروعًا هامشيًا في صحراء بعيدة، بل جزء من «المربّع الجديد» في قلب الرياض. أي أن التراجع هنا يضرب صورة العاصمة نفسها بوصفها واجهة التحول الاقتصادي، ويكشف أن حتى المشاريع المركزية لم تسلم من سوء التقدير.

من الإنفاق الاستعراضي إلى إدارة الأزمات

التحول المعلن في أولويات الإنفاق – من مشاريع «مستقبلية» إلى مشاريع «أكثر إلحاحًا» مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034 – لا يمكن فصله عن الضغوط المالية المتصاعدة. أسعار النفط لم تعد عند المستويات التي تسمح بتمويل عشرات المشاريع العملاقة في وقت واحد، وصندوق الاستثمارات العامة، رغم ضخامة أصوله، بات مضطرًا إلى خفض الطموحات بعد تسجيل شطب بمليارات الدولارات على استثمارات المشاريع الكبرى.

هذا التحول يكشف خللًا بنيويًا في التخطيط: الرؤية لم تُبنَ على سيناريوهات متعددة، بل على افتراض استمرار تدفق الأموال بلا انقطاع. وعندما تغيّر الواقع، لم يكن أمام الدولة سوى التراجع والاختيار القسري بين المشاريع. وهنا تتضح المشكلة: اقتصاد يُدار بردّات الفعل لا بالتخطيط طويل الأمد، ومشاريع تُطلق قبل تأمين شروط استدامتها.

وما يُقدَّم اليوم بوصفه «ترتيب أولويات» هو في الحقيقة إدارة أزمة. فلو كانت الأولويات واضحة منذ البداية، لما جرى إطلاق هذا الكم من المشاريع الضخمة في وقت واحد، ولما اضطرت الدولة إلى تعليق مشاريع بعد إنفاق عشرات أو مئات الملايين عليها.

صندوق الاستثمارات العامة: بين الدور التنموي وضغوط العائد

يُفترض بصندوق الاستثمارات العامة أن يكون ذراعًا استثماريًا يحقق عوائد طويلة الأمد، لا مجرد خزنة لتمويل طموحات سياسية ومعمارية. لكن تجربة «المكعّب» وغيرها تطرح سؤالًا جوهريًا حول وظيفة الصندوق: هل هو صندوق استثماري أم أداة إنفاق؟

حين يبدأ الصندوق بتغيير استراتيجيته نحو اللوجستيات، والتعدين، والذكاء الاصطناعي بحثًا عن عوائد أقرب، فهذا اعتراف ضمني بأن الرهان على المشاريع العملاقة ذات الطابع الاستعراضي لم يكن مجديًا. المشكلة أن هذا الاعتراف يأتي بعد كلفة باهظة: أموال صُرفت، سمعة استثمارية اهتزت، وثقة الأسواق تضررت.

كما أن إعادة توجيه الصندوق لا تعالج جوهر الأزمة، بل تنقلها. فالقطاعات الجديدة نفسها تحتاج إلى بيئة مؤسسية مستقرة، وشفافية، وإدارة مخاطر حقيقية، وهي عناصر لم تُثبت التجربة السعودية الحديثة أنها متوفرة بالقدر الكافي.

الأثر الاجتماعي والرمزي: وعود الوظائف تتبخر

لم يكن «المكعّب» مجرد مبنى، بل كان يُسوّق كمولّد ضخم للوظائف ومحرّك للنمو. أرقام عن 334 ألف وظيفة، ومئات المليارات تُضاف للناتج المحلي، و104 آلاف وحدة سكنية، كلها وعود ارتبطت بموعد 2030. اليوم، الموعد يُرحّل إلى 2040، والمشروع يُعلّق، والوظائف تبقى على الورق.

هذا النمط يعمّق فجوة الثقة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي. المواطن الذي سمع لسنوات عن «فرص غير مسبوقة» يرى الآن مشاريع تُعلّق، وأخرى تُقلّص، فيما الضغوط المعيشية تتزايد. الاقتصاد لا يُقاس بما يُعلن في المؤتمرات، بل بما يتحقق في حياة الناس، وهذه المشاريع لم تصل بعد إلى تلك المرحلة.

ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي للانتقادات التي أُثيرت حول تصميم «المكعّب» وتشابهه مع الكعبة المشرفة. سواء اتُّفق مع هذه الانتقادات أم لا، فإنها عكست حساسية اجتماعية وثقافية تجاه مشاريع بدت لكثيرين منفصلة عن هوية المجتمع، ومفروضة من أعلى دون نقاش حقيقي.

 نهاية مرحلة وبداية أسئلة مؤجلة

تعليق العمل في «المكعّب» ليس مجرد تأجيل مشروع، بل إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة من إدارة الاقتصاد بالضجيج. مرحلة اعتقدت أن الإعلان عن مشاريع خيالية كافٍ لصناعة واقع اقتصادي جديد، وأن المال وحده قادر على تجاوز قوانين الجدوى والمنطق.

اليوم، ومع تزايد التأجيلات والتقليصات، تتكشف حدود هذا النهج. السعودية تقف أمام خيارين: إما الاستمرار في ترقيع السردية عبر إعادة تسمية الفشل «مرونة»، أو الاعتراف الصريح بأن نموذج الرؤية بحاجة إلى مراجعة جذرية، لا شكلية. مراجعة تعيد الاعتبار للتخطيط الواقعي، وتربط المشاريع بقدرات التمويل، وتضع الإنسان – لا الصورة – في قلب التنمية. «المكعّب» توقف، لكن السؤال الأكبر لم يتوقف: كم مشروعًا آخر سيُعلّق قبل أن يُطرح السؤال الحقيقي حول كلفة هذا المسار على الاقتصاد والمجتمع ومستقبل البلاد

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية