قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها

قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها

قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها
قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها

بينما تُنفق السعودية مليارات الدولارات لتسويق نفسها كدولة «منفتحة ومُصلحة» وتغرق الفضاء الدولي بخطاب التحديث والتمكين، تكشف الوقائع الحقوقية صورة مغايرة تمامًا: دولة تُدير القمع ببرود مؤسسي، وتُعيد إنتاج الاستبداد بأدوات أكثر نعومة في الشكل، وأكثر قسوة في الجوهر. التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن منظمة القسط لحقوق الإنسان لا يكتفي بتفنيد السردية الرسمية، بل يفضح منطقًا سياسيًا ثابتًا: إصلاحات شكلية في الواجهة، مقابل تصعيد ممنهج في الانتهاكات الأساسية.

عنوان التقرير، «قيدٌ لا ينكسر»، ليس توصيفًا أدبيًا، بل تشخيصًا دقيقًا لطبيعة الحكم: الإفراجات المحدودة لا تعني حرية، والتحديث لا يعني مساءلة، والانفتاح لا يُترجم إلى حقوق.

الإفراج بلا حرية إعادة إنتاج السجن خارج الجدران

شهد مطلع عام 2025 إفراجات محدودة عن عدد من معتقلي الرأي، رُوِّج لها رسميًا بوصفها «انفراجًا حقوقيًا». غير أن التقرير يكشف أن هذه الخطوة لم تكن سوى إعادة توزيع للقيد لا كسره. فالمفرج عنهم ظلّوا خاضعين لحظر السفر، والمراقبة الأمنية، والتهديد الدائم بإعادة الاعتقال، ما يحوّل الحرية إلى حالة مؤقتة مشروطة بالطاعة والصمت.

في المقابل، استمر الاحتجاز التعسفي بحق آخرين، مع تمديد أحكام أو إصدار أحكام جديدة، شملت حتى رعايا أجانب. هذا النمط يعكس سياسة واضحة: استخدام الإفراجات كأداة علاقات عامة، لا كبداية لمسار إصلاحي. فالدولة التي لا تُفرج عن مواطنيها إلا تحت القيود، إنما تعلن صراحة أن المشكلة ليست في «التجاوزات»، بل في حرية الرأي ذاتها.

الإعدام كأداة حكم أرقام قياسية بلا رادع

يسجّل عام 2025 رقمًا صادمًا في سجل الإعدامات: 356 حكمًا نُفِّذت خلال عام واحد، متجاوزة الرقم القياسي للعام السابق. الأخطر أن أكثر من نصف هذه الإعدامات كانت في قضايا مخدرات غير مميتة، في انتهاك مباشر لمبدأ «أشد الجرائم خطورة» المعتمد دوليًا.

كما يلفت التقرير إلى أن الغالبية الساحقة من المُعدَمين كانوا من غير السعوديين، ما يطرح تساؤلات ثقيلة حول العدالة الانتقائية، واستهداف الفئات الأضعف داخل النظام القضائي. وتُضاف إلى ذلك إعدامات نُفِّذت تحت تهم «إرهاب» بصياغات فضفاضة يمكن أن تشمل التعبير السلمي، فضلًا عن إعدام شابين بتهم ارتُكبت – وفق المزاعم – حين كانا قاصرين، في خرق صارخ للمعايير الدولية.

هنا لا يعود الإعدام عقوبة استثنائية، بل أداة حكم تُستخدم لضبط المجتمع بالخوف، وإرسال رسائل ردع جماعية مفادها أن الدولة لا تتسامح مع أي خروج عن الخط المرسوم.

 نيوم والنساء والقانون تحديث بلا حقوق

لم يقتصر القمع على السجون والمشانق. فقد وثّق التقرير إخلاءات قسرية خلال 2025، خصوصًا في المناطق التي أُفرغت لصالح مشروع نيوم العملاق، أحد المواقع المخصّصة لاستضافة كأس العالم 2034. هذه الإخلاءات، التي طالت مجتمعات محلية كاملة، تكشف الوجه الحقيقي لمشاريع «المستقبل»: تنمية تُنفَّذ بالقوة، وتُدار بمنطق نزع الملكية لا الشراكة.

وفي ظل تسارع مشاريع البنية التحتية، يحذّر التقرير من تفاقم استغلال العمالة المهاجرة، مع ضعف أنظمة العمل وسوء تطبيقها، ما يرفع مخاطر الانتهاكات ووفيات العمال.

أما النساء، فرغم خطاب «التمكين»، لا يزلن يواجهن تمييزًا قانونيًا واجتماعيًا متجذرًا. ويشير التقرير إلى تعيين شخصية دينية معروفة بخطاب عدائي تجاه النساء في موقع رسمي مؤثر، كرسالة سياسية واضحة: الإصلاحات المعلنة لا تمس البنية الأبوية العميقة للنظام.

ويتعزز هذا المشهد بخلل أخطر: غياب دستور ونظام جنائي مُدوَّن. فتعليق نظام العقوبات التعزيرية، الذي وُعِد بإقراره منذ سنوات، يُبقي الباب مفتوحًا أمام سلطة تقديرية واسعة تُستخدم لتجريم الرأي عبر أنظمة غامضة مثل «مكافحة الإرهاب» و«جرائم المعلوماتية». في هذا الفراغ القانوني، يصبح القمع هو القاعدة، والاستثناء هو الحماية.

تحديث بلا مساءلة دولة تُراكم الإفلات من العقاب

ما يكشفه تقرير «القسط» ليس سلسلة انتهاكات معزولة، بل نموذج حكم متكامل: دولة تُحدّث واجهتها الدولية بالاستثمار والرياضة والفعاليات العالمية، بينما تُصعِّد القمع في الداخل بلا توقف. الإفراجات الشكلية، والأرقام القياسية في الإعدامات، والإخلاءات القسرية، والتمييز المستمر، كلها حلقات في سياسة واحدة تُدير الاستبداد بوجه «عصري».

في عالم يزداد اضطرابًا، يصبح الصمت الدولي تواطؤًا، وتتحول البراغماتية إلى غطاء للإفلات من العقاب. الرسالة التي يطلقها هذا التقرير واضحة: لا يمكن شراء الشرعية عبر الترفيه والصفقات، ولا يمكن دفن القمع تحت شعارات التحديث. فالقيد، ما دام لا ينكسر، سيظل شاهدًا على حقيقة دولة اختارت إدارة الخوف بدل احترام الحقوق.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية