نيوم بوصفها بوابة التطبيع: حين يتحوّل الفشل الداخلي إلى رهان خارجي

نيوم بوصفها بوابة التطبيع: حين يتحوّل الفشل الداخلي إلى رهان خارجي

الحديث عن تراجع السعودية عن مسار التطبيع لا يمكن اختزاله في حرب غزة وحدها، ولا في حسابات آنية للغضب الشعبي. ما تكشفه القراءة المتأنية للتسريبات والتحليلات الغربية هو أمر أعمق: مأزق استراتيجي داخلي يتقدّمه فشل مشروع نيوم بوصفه حجر الزاوية في سردية «السعودية الجديدة». حين تتعثر المدينة التي وُعِدت بأن تكون نموذج المستقبل، يتحوّل التطبيع من خيار سياسي إلى أداة إنقاذ رمزية—محاولة لإعادة إنتاج المعنى والشرعية عبر الخارج، بعد اهتزاز الداخل.

 نيوم من «مدينة المستقبل» إلى عقدة الشرعية

لم يكن مشروع نيوم مجرد مخطط عمراني، بل وعدًا سياسيًا شاملًا: اقتصاد ما بعد النفط، انفتاح عالمي، قيادة إقليمية جديدة. لكن التعثرات المتراكمة—التقليصات، التأجيلات، إعادة التصميم، وتسريح العمال—حوّلت الوعد إلى عبء. في هذا السياق، يصبح البحث عن «قصة بديلة» ضرورة سياسية.
التطبيع هنا لا يُقدَّم كتنازل، بل كإعادة تموضع: نيوم لا تُسوَّق كمشروع متوقف، بل كعاصمة «حضارية» للتعاون الإقليمي، تُستبدل فيها لغة البناء المتعثر بلغة السلام والوساطة والدبلوماسية الدينية. إنها محاولة لإعادة شحن المشروع برمزية جديدة تعوّض إخفاقاته المادية.

 ازدواجية الخطاب فلسطين في العلن، وواشنطن في الكواليس

التناقض بين الخطاب العلني الداعم لفلسطين، والرسائل المطمئنة التي تُنقل في الغرف المغلقة، ليس ارتباكًا، بل سياسة محسوبة. الهدف إدارة الوقت والضغط: تهدئة الداخل العربي والإسلامي، مع إبقاء قنوات التطبيع مفتوحة ومحمية في واشنطن.
في هذا الإطار، تُعاد صياغة التطبيع بوصفه «عملية مؤجلة» لا «خيارًا مُلغى»، ويُقدَّم كأداة نفوذ لا كاصطفاف أخلاقي. الرسالة الأساسية للحلفاء الغربيين: السعودية لم تغيّر مسارها، لكنها تُعيد ترتيب توقيته وشكله بما يضمن الاستقرار الداخلي.

 «القيادة الحضارية» كبديل عن الإصلاح الحقيقي

الرهان على «القيادة الحضارية»—منتديات سلام، دبلوماسية أديان، مبادرات رمزية—يهدف إلى القفز فوق الأسئلة الجوهرية: الحكم، المشاركة، الحقوق، والمساءلة. حين يتعذر تقديم نموذج تنموي ناجح على الأرض، يُستدعى نموذج معنوي عابر للحدود.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة مزدوجة: فهو لا يعالج جذور الفشل الاقتصادي والسياسي، ولا يضمن قبولًا شعبيًا طويل الأمد لمسار تطبيعي يُنظر إليه باعتباره التفافًا على الإجماع الأخلاقي العربي، لا تعبيرًا عن مصلحة وطنية واضحة.

 التطبيع كمسكّن لا كحل

ما يتكشف اليوم هو أن مسار التطبيع يُستخدم كمسكّن سياسي لتعويض إخفاقات داخلية، لا كخيار سيادي نابع من قوة موقع أو وضوح رؤية. تحويل نيوم إلى «بوابة تطبيع» لن يُنقذ مشروعًا تعثّر، ولن يمنح شرعية مستدامة لقيادة تبحث عن اعتراف خارجي فيما تتآكل الثقة داخليًا.
الرهان الحقيقي لا يكون بإعادة تغليف الفشل بشعارات السلام، بل بإصلاحات عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. دون ذلك، سيظل التطبيع ورقة مؤجلة—تُلوَّح عند الحاجة—بينما تبقى الأزمة في مكانها، بلا حل.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية