حين تنتهي المسرحية: كرة القدم السعودية بين نزيف المليارات وصحوة الاضطرار

حين تنتهي المسرحية: كرة القدم السعودية بين نزيف المليارات وصحوة الاضطرار

السعودية
السعودية

لم يكن الجدل حول اعتراض كريستيانو رونالدو على طريقة تعامل صندوق الاستثمارات العامة معه حدثًا رياضيًا معزولًا، بل لحظة كاشفة لانتهاء مرحلة كاملة من سياسة «الإنفاق بلا سقف» التي حكمت مشروع كرة القدم السعودية منذ عام 2023. فبعد ضخّ أكثر من 5.6 مليار ريال خلال عامين، بدأت المملكة تُعيد ضبط بوصلتها، لا بدافع النضج المؤسسي كما يُروَّج، بل تحت ضغط الوقائع المالية المتراكمة وتراجع القدرة على الاستمرار في شراء الصورة بالمال.

 رونالدو ليس المشكلة بل الدليل

وصول رونالدو لم يكن استثمارًا رياضيًا بقدر ما كان إعلانًا سياسيًا: اسم عالمي لتسويق دوري وليد بوصفه «قوة كروية جديدة». لكن ما حدث لاحقًا كشف هشاشة الفكرة. الاعتماد على النجوم كواجهة جذب لم يُنتج دوريًا تنافسيًا مستدامًا، ولا قاعدة جماهيرية راسخة، بل خلق منظومة غير متوازنة تُدار من أعلى بالشيكات لا بالمؤسسات.
اعتراض رونالدو اليوم ليس تمرّد نجم، بل مؤشر على اصطدام توقعات النجوم العالميين بواقع تغيّر فيه المزاج المالي للدولة، ولم تعد الامتيازات مفتوحة كما في البداية.

 تقليص الإنفاق اعتراف غير معلن بالفشل

إعلان اللوائح الجديدة التي تُلزم الأندية بنموذج «أكثر اقتصادية واستدامة» بحلول 2025 ليس إصلاحًا طوعيًا، بل إقرارًا ضمنيًا بأن التجربة الأولى كانت مكلفة وغير قابلة للاستمرار.
فالرياضة، التي قُدِّمت كأداة قوة ناعمة، تحوّلت إلى عبء مالي في لحظة تعاني فيها الدولة من ضغوط أوسع: عجز مالي، إعادة تقييم للمشاريع العملاقة، وتحوّل في أولويات صندوق الاستثمارات العامة. في هذا السياق، يصبح شدّ الحزام الرياضي جزءًا من إعادة ترتيب اضطرارية، لا نقلة إدارية مدروسة.

 كرة القدم كمرآة للأزمة الأوسع

ما يجري في دوري المحترفين يعكس نمطًا تكرّر في ملفات أخرى: اندفاعة كبرى، إنفاق هائل، وعود عالمية، ثم تراجع تحت ضغط الواقع. المشكلة ليست في خفض الإنفاق بحد ذاته، بل في غياب الرؤية من البداية: هل كان الهدف بناء منظومة كروية محلية، أم مجرد استعراض دولي سريع العائد الإعلامي؟
حين يُبنى المشروع على النجومية لا القاعدة، وعلى الاستيراد لا التطوير، يصبح أول اختبار مالي كفيلًا بإرباكه وهذا ما نشهده اليوم.

 نهاية الوهم الرياضي

قصة اعتراض رونالدو ليست سوى تفصيل في حكاية أكبر: لحظة انكشاف مشروع استُخدمت فيه كرة القدم كأداة تلميع، قبل أن تُطالَب فجأة بأن تصبح «مستدامة». التحول الحالي لا يعكس قوة في التخطيط، بل اعترافًا متأخرًا بأن المال وحده لا يصنع دوريًا، ولا يشتري الشرعية الرياضية.
وإذا لم تُفهم هذه اللحظة باعتبارها درسًا في حدود «الشراء السريع للمكانة»، فإن كرة القدم السعودية لن تكون سوى نسخة أخرى من مشاريع بدأت بضجيج عالمي، وانتهت بتقليص هادئ تحت ضغط الفاتورة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية