بينما تتراكم الضغوط المالية وتتسع فجوة العجز، تعود السعودية لطرح نسخة «محدَّثة» من مشروعها الاقتصادي العملاق، في محاولة لإعادة ضبط السردية لا الواقع. الحديث عن خطة تنويع جديدة بقيمة تريليوني دولار لا يأتي من موقع فائض أو استقرار، بل من لحظة ارتباك اقتصادي حقيقي، تتقاطع فيها الديون المتصاعدة مع تراجع بعض أعمدة رؤية 2030 التي قُدّمت سابقًا كحقائق لا تقبل الشك. السؤال لم يعد: ما الخطة القادمة؟ بل: لماذا أخفقت الخطط السابقة، ومن يدفع كلفتها الآن؟
إعادة التغليف بدل المراجعة استراتيجية بلا تفاصيل
إعلان وزارة المالية عن مناقشات حول «استراتيجية اقتصادية جديدة» للسنوات الخمس المقبلة، دون جدول زمني أو مؤشرات قياس واضحة، يعكس استمرار نمط مألوف: طرح عناوين كبيرة وتأجيل التفاصيل. القطاعات التي جرى ذكرها—السياحة، التصنيع، اللوجستيات، التكنولوجيا—هي نفسها التي تكررت في الخطاب الرسمي منذ إطلاق رؤية 2030، ما يثير الشك في أن ما يجري هو إعادة تسويق للأهداف ذاتها بواجهة لغوية جديدة.
غياب الشفافية هنا ليس تفصيلاً تقنيًا، بل خلل بنيوي. فالمستثمرون والمؤسسات المالية لا يبحثون عن شعارات، بل عن خطط قابلة للتقييم والمساءلة. ومع كل تأجيل للإيضاحات، تتآكل المصداقية، ويتحوّل «التحديث» إلى اعتراف غير معلن بأن النسخة السابقة لم تؤتِ ثمارها.
عجز مزمن وتمويل محفوف بالمخاطر
منذ 2022، تعيش السعودية على إيقاع عجزٍ مالي متواصل، نتيجة إنفاق ضخم على مشاريع تنويع لم تولّد بعد عوائد كافية، مقابل إيرادات نفطية تتأثر بتقلبات السوق العالمية. ورغم تبرير هذا العجز باعتباره «استثمارًا مقصودًا»، إلا أن الأرقام تشير إلى اعتماد متزايد على الاقتراض وتوسّع في الاحتياجات التمويلية بعشرات المليارات سنويًا.
المفارقة أن نموذج التنويع نفسه ما يزال معتمدًا على النفط. فالعائدات النفطية تموّل مشاريع يُفترض أنها تقلل الاعتماد على النفط مستقبلًا، ما يجعل الخطة رهينة لأي هبوط طويل الأمد في الأسعار. بهذا المعنى، لا يتم كسر الحلقة الريعية بقدر ما يجري تمديدها بصيغة أكثر تعقيدًا وكلفة.
المشاريع العملاقة من وعود مطلقة إلى تقليص صامت
يُجسّد مشروع «ذا لاين» في نيوم هذا التناقض بأوضح صوره. فبعد تسويقه كمدينة مستقبلية بطول 170 كيلومترًا تستوعب ملايين السكان، تكشف الوقائع الحالية عن تقلص التنفيذ إلى نطاقات محدودة، مع تباطؤ ملحوظ في البناء ومغادرة شركات استشارية ومقاولين دوليين.
اللافت أن هذا التراجع لا يُعلن بصراحة، بل يُدار عبر خفض التوقعات وتعديل الجداول الزمنية، في غياب أي كشف رسمي عن حجم الإنفاق الفعلي أو مراجعة جدوى القرارات السابقة. هذا الأسلوب لا يبدد الشكوك، بل يفاقمها: من يتحمل المسؤولية إذا تبيّن أن بعض هذه المشاريع لم تكن قابلة للتطبيق اقتصاديًا أو هندسيًا؟ وأين آليات المحاسبة في منظومة تُدار من أعلى دون رقابة عامة؟
يرى منتقدون أن الهوس بالمشاريع العملاقة ذات الرمزية الإعلامية جاء على حساب أولويات أكثر إلحاحًا: دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، تطوير المدن القائمة، الاستثمار العميق في التعليم وسوق العمل، وبناء قاعدة إنتاجية تدريجية ومستدامة. هذه القطاعات، رغم تواضع عوائدها السريعة، هي التي تشكّل العمود الفقري لأي اقتصاد متوازن.
بدل ذلك، جرى توجيه الموارد إلى مشاريع عالية المخاطر، تتطلب سنوات طويلة قبل تحقيق أي عائد، إن تحقق أصلًا. ومع كل تأخير أو تقليص، تتبدد كلفة الفرصة، ويتحمّل المجتمع تبعات قرارات لم يُستشر فيها.
البعد الاجتماعي والاستثماري ثقة تتآكل
لا تقتصر تداعيات هذه السياسات على الأرقام. فعمليات الإخلاء لصالح المشاريع العملاقة، مقابل نتائج اقتصادية أقل من الوعود، خلقت فجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة المواطنين. في الوقت نفسه، بات المستثمر الأجنبي أكثر حذرًا، خاصة تجاه المشاريع التي تعتمد على توقعات مستقبلية طموحة أكثر من مؤشرات حالية صلبة.
ومع تصاعد مطالب المؤسسات المالية الدولية بمزيد من الشفافية حول إدارة الديون وتمويل المشاريع، يصبح الغموض عبئًا إضافيًا، لا ميزة تفاوضية.
مفترق الطرق: إصلاح حقيقي أم تراكم فواتير مؤجلة؟
تبدو السعودية اليوم أمام لحظة حاسمة. فإما أن تتحول النسخة «المحدثة» من الاستراتيجية الاقتصادية إلى مراجعة جذرية تعترف بالأخطاء وتعيد ترتيب الأولويات بواقعية وشفافية، أو تبقى مجرد طبعة جديدة من وعود قديمة. النجاح لن يُقاس بحجم الأرقام المُعلنة، بل بقدرة السياسات على خلق نمو حقيقي، متوازن، ومستدام. أما الاستمرار في إدارة الاقتصاد بمنطق الرموز والإنفاق المفتوح، فقد يؤدي إلى ما هو أخطر من الإخفاق: فقدان الثقة في المشروع بأكمله.






