بين مكعّب الأحلام وواقع الأجور: السعودية أمام اختبار العقد الاجتماعي الجديد

بين مكعّب الأحلام وواقع الأجور: السعودية أمام اختبار العقد الاجتماعي الجديد

من الطريق الممتد بين مطار الملك خالد ووسط الرياض، تبدو السعودية وكأنها تمشي بثقة نحو المستقبل. لوحات عملاقة تَعِدُ بـ“وسط مدينة حديث” يتوسطه مبنى مكعّب هو الأكبر في العالم، ومدن ذكية تمتد في الصحراء، ومشاريع سياحية فائقة الحداثة تستقطب العالم. الصورة الرسمية واضحة: اقتصاد مزدهر، تنويع متسارع، وتحول تاريخي يُعيد صياغة المملكة.

لكن خلف هذه الصورة البراقة، تتصاعد شكاوى أكثر واقعية: بطالة بين الشباب، رواتب لا تواكب الأسعار، تضخم يتجاوز زيادات الأجور، وفجوة دخل آخذة في الاتساع. وبينما تُعدّل الحكومة مسار بعض مشاريعها العملاقة تحت ضغط أسعار النفط والقيود المالية، يطرح جيل شاب سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: أين نصيبنا من هذا التحول؟

من الطموحات العملاقة إلى مراجعة الواقع

أُطلقت رؤية 2030 عام 2016 بوصفها مشروعاً لإعادة صياغة الاقتصاد السعودي بعيداً عن النفط. كان “المكعب” و”ذا لاين” رمزين لهذه القفزة الكبرى نحو المستقبل. غير أن التطورات الأخيرة – توقف أعمال “المكعب”، تباطؤ البناء في “ذا لاين”، ونقل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية – كشفت حدود الطموح حين يصطدم بالتمويل والواقع المالي.

مع بقاء أسعار النفط عند مستويات غير مريحة، وارتفاع احتياجات التمويل الحكومي، بدأت الحكومة تتحدث عن تركيز أكبر على قطاعات أكثر واقعية: السياحة، الصناعة، والخدمات اللوجستية. قد يبدو ذلك تصحيحاً منطقياً للمسار، لكن بالنسبة لكثيرين، هو أيضاً اعتراف ضمني بأن بعض المشاريع كانت أكبر من قدرة الاقتصاد على تحمّلها.

هذا التراجع النسبي في المشاريع العملاقة تزامن مع ضغوط معيشية يومية للمواطنين، ما جعل التباين بين الخطاب الرسمي والواقع أكثر وضوحاً.

عند إطلاق الرؤية، كان متوسط راتب السعودي نحو 10,045 ريالاً شهرياً. وبعد سبع سنوات، ارتفع إلى 11,197 ريالاً، أي زيادة تقارب 11%. ظاهرياً، يبدو ذلك تحسناً. لكن التضخم التراكمي خلال الفترة نفسها تجاوز 17%.

المحصلة واضحة: القوة الشرائية تراجعت. الزيادة في الأجور لم تواكب ارتفاع الأسعار، ما يعني أن المواطن يكسب أكثر اسماً، لكنه يشتري أقل فعلياً.

زاد الأمر تعقيداً فرض ضريبة القيمة المضافة عام 2018 بنسبة 5%، ثم رفعها إلى 15% خلال جائحة كورونا، في خطوة قيل إنها مؤقتة لكنها استمرت. كما خُفّضت إعانات الكهرباء والوقود والمياه، ورُفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للموظفين الشباب. بكلمات أخرى، تضاعفت الأعباء على الأسر، فيما ظل نمو الرواتب محدوداً.

دخول النساء سوق العمل: مكسب اقتصادي أم تعويض اضطراري؟

أحد أبرز إنجازات الرؤية كان ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل من أقل من 19% عام 2016 إلى أكثر من 34% بحلول 2025. هذه قفزة مهمة اجتماعياً واقتصادياً.

غير أن هذا الارتفاع لا يخلو من مفارقة. كثير من النساء يعملن في وظائف خدماتية منخفضة الأجر، ما يجعل زيادة دخل الأسرة في بعض الأحيان تعويضاً عن تآكل القوة الشرائية، لا تحسناً نوعياً في مستوى المعيشة.

ارتفع متوسط دخل الأسرة من 14,823 ريالاً في 2018 إلى 18,056 ريالاً في 2025، لكن الزيادة في التكاليف – الإيجارات، الضرائب، الخدمات – التهمت جانباً كبيراً من هذا التحسن. النتيجة: شعور عام بأن الجهد مضاعف، لكن المكاسب محدودة.

الرياض: مدينة الفرص أم مدينة الفجوة؟

تحولت الرياض خلال سنوات قليلة من عاصمة حكومية هادئة إلى مركز اقتصادي ضخم. مليارات صُرفت على البنية التحتية، والحدائق، والمناطق المالية، والمطار العالمي. أصبحت العاصمة الوجهة الأولى للشباب الباحثين عن وظائف في القطاع الخاص.

لكن هذه الطفرة جاءت بكلفة مرتفعة. الإيجارات ارتفعت بأكثر من 50% منذ 2020، ما اضطر الحكومة إلى فرض تجميد مؤقت للإيجارات لمدة خمس سنوات. أسعار الشقق تجاوزت 6,000 ريال للمتر المربع، فيما بقيت مدن أخرى أكثر استقراراً.

النتيجة أن الرياض باتت مزدهرة، لكنها باهظة الثمن. من لا يملك راتباً مرتفعاً يجد نفسه مضغوطاً بين إيجار مرتفع وتكاليف معيشة متزايدة. وهكذا نشأت فجوة بين من يستفيدون من الطفرة – خصوصاً العاملين في قطاعات التقنية والتمويل – وبين الشباب في وظائف خدماتية منخفضة الأجر.

من الوظيفة الحكومية إلى القطاع الخاص: عقد اجتماعي جديد

على مدى عقود، كان القطاع الحكومي الملاذ الآمن للسعوديين. راتب مستقر، ساعات عمل محددة، وضمان اجتماعي نسبي. رؤية 2030 سعت إلى تقليص هذا النموذج، ودفع السعوديين نحو القطاع الخاص.

لكن هذا التحول لم يكن سلساً. كثير من الشباب انتقلوا إلى وظائف في قطاع الخدمات – بيع بالتجزئة، ضيافة، وظائف مكتبية بسيطة – كانت سابقاً حكراً على العمالة الوافدة. هذه الوظائف غالباً أقل استقراراً وأقل أجراً من الوظائف الحكومية السابقة.

في المقابل، لا تزال بعض القطاعات المتقدمة – التقنية، الاستثمار، الاستشارات – تجذب وافدين بعقود ورواتب مرتفعة، ما يعزز الشعور بعدم المساواة بين المواطنين والوافدين في سوق العمل الجديد.

بينما تستقطب الرياض الاستثمارات والوظائف، تبدو مدن أخرى أقل حيوية. هذا التفاوت الإقليمي يعمّق شعور الشباب في المناطق الأخرى بأن الفرص مركّزة في العاصمة فقط، ما يدفعهم إلى الهجرة الداخلية وتحمل تكاليف معيشة أعلى.

النتيجة أن التحول الاقتصادي، بدلاً من أن يوزّع الفرص على نطاق أوسع، عزز مركزية الرياض، وخلق فجوة بين العاصمة وبقية المناطق.

رؤية 2030: تحديث اقتصادي أم استيراد مشكلات جديدة؟

المفارقة أن رؤية 2030، التي هدفت إلى تنويع الاقتصاد وجعله أكثر حداثة، أدخلت معها أيضاً تحديات اقتصادات متقدمة: تضخم، منافسة شرسة على الوظائف، تفاوت في الدخل، وضغط على الطبقة الوسطى.

هذه المشكلات ليست فريدة للسعودية، لكنها جديدة نسبياً في سياقها الاجتماعي. اعتاد المواطن على استقرار نسبي في الأسعار والدعم الحكومي. اليوم، يتعامل مع سوق أكثر انفتاحاً وتنافسية، لكن من دون شبكة أمان قوية كما في بعض الاقتصادات المتقدمة.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على بناء مشاريع عملاقة أو جذب استثمارات، بل ما إذا كانت قادرة على تحقيق توازن بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

جيل شاب يشكل غالبية السكان يبحث عن وظيفة مستقرة، أجر يكفي لتأسيس أسرة، وسكن ميسور التكلفة. إذا لم يشعر هذا الجيل بأن التحول يخدمه، فإن الثقة في المشروع بأكمله قد تتآكل تدريجياً.

 اختبار التوازن

السعودية تقف أمام مفترق طرق. من جهة، هناك طموح لتحديث الاقتصاد، جذب الاستثمارات، وبناء مدن مستقبلية. ومن جهة أخرى، هناك واقع يومي لشباب يواجهون تضخماً أعلى من زيادات رواتبهم، وتكاليف معيشة متصاعدة، وفجوة دخل متنامية.

نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بحجم المباني أو عدد السياح، بل بقدرة الاقتصاد على توفير فرص عادلة ومستدامة لمواطنيه. فالمشاريع العملاقة قد تلمع في الصور، لكن استقرار أي تحول اقتصادي يعتمد في النهاية على شعور المواطن العادي بأن له نصيباً حقيقياً في هذا المستقبل الموعود.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية